واما مذهبهم في سكون الأرض وحركتها فإن للقدماء في ذلك مذهبين: أحدهما: مذهب من كان يرى أنها ساكنة. والثاني: مذهب من كان يرى أنها متحركة. وهذه الفرقة انقسمت إلى فرقتين: ففرقة كانت ترى أنها تتحرك حول الوسط، وهذه الفرقة هي الفرقة التي كانت ترى أن الأرض ليس موضعها (في) الوسط الذي هو وسط العالم في المقدار، وممن كان يقول بهذا القول آل فيثاغورش فانهم كانوا يقولولن أن الأرض تتحرك حول الوسط، وكانوا يرون مع هذا أن هاهنا أرضا أخرى مقابلة لهذه الأرض، وكانوا يخصونها باسم مشهور عندهم، ومنهم قوم كانوا يزعمون أنه ممكن أن تكون هاهنا ارضون كثيرة تدور حول الوسط كما تدور الأرض التي نسكن عليها، (لكن تخفي عنا لقيام هذه الأرض التي نسكن عليها ) بيننا وبينها حتى تسترها عنا، وان هذه الأرضين ممكن أن تكون السبب في كثير من كسوفات القمر، لأنها تقطع عنا استنارته (التي تصل إليه) من الشمس، وذلك أنا إن قلنا أن سبب الكسوف القمري هو كون الأرض في الوسط، أعني في مركز العالم، فليس (يكون) قطعها عن القمر انارة الشمس له من جهة ما هي في الكون، بل من جهة ما يخرج من جسمها [27 و: ع] عن المركز ويفيض، أعني نصف كرتها. وإذا كان ذلك كذلك، فاحرى أن تقطع استنارة القمر بالشمس ما كان بجملته من الأرضين خارج المركز. والفرقة الثانية كانت ترى أنها في المركز، أعني الأرض، وأنها تدور وتتحرك على محورها الثابت. وهو يبطل أن تكون الأرض متحركة بثلاثة براهين: البرهان الأول: أن الأرض إن كانت متحركة حول الوسط فهذه الحركة لها قسرية لا طبيعية، لأنها لو كانت طبيعية لكانت موجودة لاجزاء الأرض. فإن نوع حركة الجزء والكل لكل منها واحد. ولو كان ذلك كذلك (26 و) [18 و] لكانت أجزاؤها تحس متحركة حول الوسط، وذلك مما لم يحس بعد. وإذا لزم أن تكون هذه الحركة لها قسرية لزم أن تكون غير سرمدية، وإذا كانت غير سرمدية كانت الأرض (أيضا) غير سرمدية من جهة ما هي جزء من أجزاء العالم . وقد تبين أن العالم بجميع أجزائه سرمدي. والبرهان الثاني انا نرى الكواكب تتحرك حركات متضادة ومختلفة في الطول وفي العرض، فإن فرضنا أن هذه الحركات إنما تظهر للكواكب من قبل حركة الأرض، لزم أن تكون الأرض متحركة بحركات متضادة، وإن وضعنا بعضها من قبل الكواكب وبعضها من قبل الأرض، أعني ان وضعنا احدى حركتي الطول للأرض والأخرى للكواكب لزم الا يوجد لها حركة العرض، فإن وضعنا للأرض حركة عرض لزم أن تكون حركة العرض للكواكب واحدة، وان توجد حركة العرض ايضا للكواكب الثابتة، فإنه يظهر أن لجميع الكواكب السيارة ثلاث حركات: حركة الطول، أعني المغربية والمشرقية، وحركة العرض، (وليس يمكن أن تجعل واحدة من هذه الثلاث في الأرض واثنين في الكواكب)، وذلك أن حركة العرض إنما تتولد في الكواكب عن حركتي الطول، أعني الحركة اليومية وحركة الكوكب في فلكه المائل. والبرهان الثالث انا نرى الشمس والقمر تطلع وتغرب على مواضع باعيانها من الأرض غير متبدلة ولا متنقلة، فلو كانت الأرض متحركة على المحور لاختلفت من الأرض حركة العرض، أعني مواضع الطلوع والغروب في أفق أفق باختلاف الأيام في الطول والقصر. وأقول ان سكون الأرض بين بنفسه وانما نسق أرسطو هذه البراهين على جهة الاستظهار.
ج - الفصل الثالث
واما مذهب القدماء في شكل الأرض فمنهم من قال أنه فلكي مستدير. ومنهم من قال انها عريضة كشكل الطبل، واستدل هؤلاء على أن شكلها ليس بكري بما يظهر عند طلوع الشمس وغروبها من أن الأرض تقاطع قرص الشمس على خط مستقيم، ولو كانت كرية لعرض من تقاطعها شكل هلالي مثل ما يعرض من تقاطع جرم الشمس والقمر في الكسوف الشمسي. وهؤلاء ذهب عليهم أن الجسم الكري الكبير إذا قطع جسما كريا صغيرا فإنه يقاطعه على خط مستقيم، وذلك أن الانحناء في القوس الصغير من الدائرة التي تقع في الكرة العظيمة لا يظهر، والجسم (الكري) الكبير انما يقاطع الكري الصغير بقوس صغيرة فتظهر تلك القوس قليلة التحدب كأنها خط مستقيم، وهذه حال الشمس مع الأرض في الرؤية، فإن الشمس تظهر في قدر الشبر لبعدها منا والأرض تظهر بالاضافة إليها عظيمة جدا، وإن كان قد تبين في التعاليم أن الشمس أمثال كثيرة للأرض لكن هذا إنما عرض لها من جهة الرؤية. فهذه هي آراء القدماء في حركة الأرض وموضعها وشكلها.
صفحة ٢٥٦