شرح التجريد في فقه الزيدية
المسألة الثانية [في إقامة الجمعة في القرى والمناهل] والذي يدل على أنها تقام في القرى والمناهل قول الله تعالى:{إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}[الجمعة:9].
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( فرضت عليكم الجمعة في مقامي هذا ))،
وما روي عنه: (( الجمعة تجب على كل مسلم )).
فاقتضت هذه الظواهر وجوبها على جميع الناس في أي موضع كانوا، فلما أجمعوا على المواضع التي ليست بمواضع الاستيطان أن الذين بها لا جمعة لهم في تلك المواضع، خصصناهم وبقي الذين هم في المدن والقرى والمناهل.
على أنه قد روي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أن أسعد بن زرارة أول من جمع بنا في حرة بني بياضة.
وعن ابن عباس: أول جمعة جمعت في الإسلام بجواثا - قرية من قرى البحرين -.
فدل الخبر على ما نذهب إليه، وذلك يجري مجرى الإجماع؛ لأنه فعل وقع من جماعة من الصحابة، ولم يرو عن أحد منهم خلافه.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( لا جمعة إلا في مصر جامع )).
قيل له: يحتمل أن يكون المراد به نفي الكمال والفضل دون الأجزاء كما روي: (( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد )).
ويحتمل أن يكون المراد به لا جمعة يفسقون بتركها، إلا في مصر جامع.
ويحتمل أيضا أن يكون المراد بقوله: مصر، موضع الاستيطان، على أن أصحاب أبي حنيفة وهم المخالفون في هذه المسألة، يذهبون إلى أنه لا يجوز التعلق بظاهر هذه الأخبار؛ لأنها عندهم من المجمل؛ لاحتمالها نفي الأجزاء، ونفي الكمال، فيجب أن يكون تعلقهم بقوله لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع فاسدا على أوضاعهم.
وأيضا هذه المواضع قياس على المدن؛ بعلة أنها مواضع الاستيطان، فيجب أن تصح الجمعة فيها.
وقلنا: إن القرية يجب أن يكون فيها مسجد يجمع فيه، لأنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أقام الجمعة إلا في المساجد؛ ولأن ذلك فعل المسلمين وعادتهم توارثها الخلف عن السلف.
صفحة ٤٤١