تحكيم العقول في تصحيح الأصول
تصانيف
مسألة في الوعيد
لا خلاف بين أهل القبلة أن الكفار يخلدون في العقاب، وأنه لا يغفر لهم ولا يخرجون من النار، وإنما الخلاف في مرتكب الكبائر من أهل الصلاة.
وقال بعضهم: يجوز أن يغفر لهم ويجوز أن يعاقبوا بقدر استحقاقهم ثم يخرجون من النار.
ومنهم من قال: لا تجوز عقوبتهم عقلا، ونحن نقول: إنه يجوز عقلا الغفران عن جميع الذنوب الكفر وغيره إلا أنه ورد السمع بأن الكفار يعذبون دائما كما ورد في الكفار، وهذا مذهب مشايخنا البصريين.
فإن قال: ولم قلتم أولا إن العقاب يستحق دائما في الذنوب من جهة العقل والشرع؟.
قلنا: أجمعت الأمة على دوامه في الكفار والقرآن نطق بذلك، وبعد فإن من أقدم على فعل كبيرة يستحق الذم واللعن كما يستحق عذاب الآخرة ويجري هذا الذم مجرى العقاب، ولذلك يبقى ما دام يبقى العقاب ويسقط متى سقط هو، ثم الذم يدوم كذلك العقاب.
وبعد فهذه الكبيرة لو فعلها كافر استحق عليها العقاب دائما أو منقطعا.
فإن قال: دائما.
قلنا: كذلك إذا فعله الفاسق، وإن قال: منقطعا، وجب أن ينقض عقاب الكفار وهذا لا قائل به.
فإن قال: هلا قلتم إن الإسلام أوجب انقطاع العقاب ويخرجه من حد التأبيد؟.
قلنا: لو أثر فيه لأثر في الدم، ولأنه كان يجب أن يسقط الحدود.
فإن قال: ولم قلتم: إنه يجوز أن يعفو عن الفساق عقلا؟.
قلنا: لأن العقاب حق لله تعالى خالص ليس في إسقاطه إسقاط حق الغير جاز أن يسقط، كصاحب الدين إذا أسقط دينه؛ ولأن إسقاطه يقع لغيره ولا ضرر فيه على أحد فوجب أن يحسن ولا يقال: فوجب أن يقبح استيفاؤه؛ لأن استيفاؤه حسن وإسقاطه حسن كما قلنا في الذنوب.
فإن قال: ولم قلتم: إنهم يعاقبون دائما؟.
صفحة ١٨٣