369

تفسير الموطأ للقنازعي

محقق

الأستاذ الدكتور عامر حسن صبري

الناشر

دار النوادر - بتمويل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

رقم الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

مكان النشر

قطر

تصانيف

فَرَخَّصَ لابنةِ عبدِ الرَّحمنِ في الإنْتِقَالِ مِنَ المَكَانِ الذِي طَلَّقَها فِيهِ زَوْجُهَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَائِشةَ أَنْكَرَتْ فِعْلَ مَرْوَانَ في ذَلِكَ، وقَالَتْ لَهُ: (اتَّقِ اللهَ، وارْدُدِ المَرْأةَ إلى بَيْتِهَا) [٢١٥٠]، تَعْنِي: البَيْتَ الذِي طَلَّقَهَا فِيهِ زَوْجُهَا، فَاحْتَجَّ عَلَيْهَا مَرْوَانُ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لا تَحْتَجَّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ، لأنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ، تَعْنِي بِذَلِكَ عَائِشَةُ: أَنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما أَبَاحَ لِفَاطِمَةَ الإنْتِقَالَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُن المَسْكَنُ لِزَوْجِهَا، وإنَّمَا كَانَ لأَهْلِ زَوْجِهَا، وكَانَتْ قَدْ آذَتْهُم بِلِسَانِهَا، فَلِهذَا رَخَّصَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في الإنْتِقَالِ في العِدَّةِ، فقالَ مَرْوَانُ حِينَئِذٍ: (إنْ كَانَ بكِ الشَّرُّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ)، يَعْنِي مَرْوَانُ بِقَوْلهِ هذا: أَنَّ ابنةَ عبدِ الَرَّحمنِ وَقَعَ بَيْنَهَا وبَيْنَ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ نَحْوَ مَا وَقَعَ بَيْنَ فَاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ وبَيْنَ أَهْلِ زَوْجِهَا، فَلِذَلِكَ نَقَلَها مَرْوَانُ مِنْ ذَلِكَ البَيْتِ في العِدَّةِ.
قالَ عِيسَى: لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَرْحَلَ المُعْتَدَّةُ مِنَ المَوْضِعِ الذي طُلِّقَتْ فِيهِ حتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا، وأَنَّهَا إنْ آذَتْ بِلِسَانِهَا أَهْلَ زَوْجِهَا وتَعَدَّتْ عَلَيْهِم، مُنِعَتْ مِنْ ذَلِكَ، فانْ أَبَتْ أَدَّبَهَا السُّلْطَانُ، ولَمْ يُبَحْ لَها الإنْتِقَالَ حتَّى تَتِمَّ عِدَّتُهَا.
قالَ عِيسَى: والبَدَويَّةُ التي تَنْتَوِي حَيْثُ يَنْتَوِي أَهْلُهَا (١)، فَتَنْتَقِلُ بانْتِقَالِهِم، هُمْ أَهْلُ العُمُودِ و[الشَّعَرِ] (٢) الذِين يَنْتَجِعُونَ المَاءَ والكَلأَ ولا قَرَارَ لَهُم، فالمُعْتَدَّةُ مِنْهُم تَنْتَقِلُ بانْتِقَالِهِم، وأَمَّا أَهْلُ القُرَى فَلَا تَنْتَقِلُ المُعْتَدَّةُ مِنْهُم بِرِحْلَةِ أَهْلِها إذا كَانَ أَهْلُ القَرْيَةِ صَالِحِينَ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: إلَّا أَنْ تَكُونَ بِكْرًَا في حُجُورِهِم، فإنَّهُم يَرْحَلُونَها مَعَهُم.
* قالَ ابنُ وَضَّاحِ: في حَدِيثِ فَاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ سُنَنٌ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: أَنَّهُ لا نَفَقَةَ للمَبْتُوتَةِ، ومِنْهَا: أنَّهَا اعْتَدَّتْ في غَيْرِ البَيْتِ الذِي طُلِّقَتْ فِيهِ، إذ لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا، ومِنْها: أَنَّ المَرْأةَ الصَّالِحَةَ العَجُوزَ يَزُورُهَا الرِّجَالُ، ويُسَلِّمُونَ عَلَيْهَا، كَمَا كَانَ الصَّحَابةُ يَفْعَلُونَ بأُمِّ شَرِيكٍ، ولَذَلِكَ قَالَ ﷺ فِي أُمِّ شَرِيكٍ: "تِلْكَ امْرَأةٌ

(١) تنتوي يعني: تنزل حيث نزلوا.
(٢) جاء في الأصل: الشاد، ولم أجد لها معنى، وما وضعته هو المناسب للسياق.

1 / 382