مجمع البيان في تفسير القرآن - الجزء1
(1) -
المعنى
لما أوجب سبحانه القتال في سبيل الله عقبه بذكر الإنفاق فيه فقال «وأنفقوا في سبيل الله» معناه وأنفقوا من أموالكم في الجهاد وطريق الدين وكل ما أمر الله به من الخير وأبواب البر فهو سبيل الله لأن السبيل هو الطريق فسبيل الله الطريق إلى الله وإلى رحمة الله وثوابه إلا أنه كثر استعماله في الجهاد لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود والجهاد هو الأمر الذي يخاطر فيه بالروح فكانت له مزية «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» قيل في معناه وجوه (أحدها) أنه أراد لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم بترك الإنفاق في سبيل الله فيغلب عليكم العدو عن ابن عباس وجماعة من المفسرين (وثانيها) أنه عنى به لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة عن البراء بن عازب وعبيدة السلماني (وثالثها) أن المراد لا تقتحموا الحرب من غير نكاية في العدو ولا قدرة على دفاعهم عن الثوري واختاره البلخي (ورابعها) أن المراد ولا تسرفوا في الإنفاق الذي يأتي على النفس عن الجبائي ويقرب منه ما روي عن أبي عبد الله لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن ولا وفق لقوله سبحانه @QUR@ «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين» يعني المقتصدين
وأحسنوا بالعود على المحتاج والأولى حمل الآية على جميع هذه الوجوه ولا تنافي فيها وفي هذه الآية دلالة على تحريم الإقدام على ما يخاف منه على النفس وعلى جواز ترك الأمر بالمعروف عند الخوف لأن في ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة وفيها دلالة على جواز الصلح مع الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين كما فعله رسول الله ص عام الحديبية وفعله أمير المؤمنين (ع) بصفين وفعله الحسن (ع) مع معاوية من المصالحة لما تشتت أمره وخاف على نفسه وشيعته فإن عورضنا بأن الحسين (ع) قاتل وحده فالجواب أن فعله يحتمل وجهين (أحدهما) أنه ظن أنهم لا يقتلونه لمكانه من رسول الله ص والآخر أنه غلب على ظنه أنه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبرا كما فعل بابن عمه مسلم فكان القتل مع عز النفس والجهاد أهون عليه.
صفحة ٥١٦