352

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{ ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } ذكر اوصافه مترتبة فى الذم من الاخس فالاخس كما هو طريقة المبالغة فى الذم وعلى هذا فمعنى ان تدعوهم الى الهدى الى ان تهدوهم انتم فضلا عن انهم يهدونكم { سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } يعنى ما يجعل شريكا للخالق ينبغى ان يكون خالقا فان لم يكن خالقا فلا اقل من ان يكون مخلوقا فان كان مخلوقا فلا اقل من ان يكون ناصرا لعابديهم، فان لم ينصروا عابديهم فلينصروا انفسهم فان لم ينصروا انفسهم فليتبعوكم فى الدعوة الى الهدى فان لم يتبعوكم فليميزوا بين الداعى وغيره، فان انتفى ذلك كله فليس اشراكه الا محض حمق المشرك وسفاهته.

[7.194-195]

{ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم } والمعبود لا اقل من ان لا يكون عبدا { فادعوهم فليستجيبوا لكم } ولا اقل من السماع والاستجابة { إن كنتم صادقين ألهم أرجل يمشون بهآ } ولا اقل من ان يمشى مثلكم { أم لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم آذان يسمعون بها قل } بعد اتمام التوبيخ والتفضيح تحديا { ادعوا شركآءكم ثم كيدون فلا تنظرون } فانى لا ابالى بكم وبشركائكم بعد غاية ضعفكم وضعف شركائكم وقوة ربى وحفظه ونصرته.

[7.196-197]

{ إن وليي الله الذي نزل الكتاب } فى موضع التعليل والمراد بالكتاب كما عرفت الكتاب المعهود المعروف وهو كتاب النبوة والقرآن صورته { وهو يتولى الصالحين والذين تدعون من دونه } لما كان التحدى باعتبار قوة الله وضعف الشركاء علله بهما فقوله الذين تدعون من دونه عطف على مدخول ان { لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون } والتكرار باعتبار التعليل ومطلوبية التكرار فى مقام المبالغة فى الذم.

[7.198-199]

{ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك } صرف الخطاب منهم الى محمد (ص) اشعارا بانهم بعد ما ظهر وقاحتهم وسفاهتهم لا ينبغى التخاطب معهم { وهم لا يبصرون خذ العفو } شبه العفو بالوحشى الشارد لتعسر الاتصاف به ثم استعمل الاخذ فيها استعارة تخييلية وترشيحا لها والمراد منه اعم من الصفح فانهما كالفقراء والمساكين اذا اجتمعا افترقا، واذا افترقا اجتمعا { وأمر بالعرف } ولما لم يكن النظر إلى خصوص المعفو عنه والمأمور بالمعروف اسقط المفعول بخلاف الاعراض فانه مختص بالجاهل ولذا قيده فقال { وأعرض عن الجاهلين } وقد فسر العفو فى الخبر بالميسور من الافعال والاخلاق وبالوسط من الاموال وهو من سعة وجوه القرآن، اعلم ان هذه الثلاث امهات اخلاق المعاشرة ونتائج امهات الاخلاق الجميلة النفسيته فان المعاشر اما معاند مسيء، واما محب مقبل، واما جاهل غير معاند وغير مقبل، وجميع آداب حسن المعاشرة مع المعاند مطوية فى ترك مقابلة اساءته بالانتقام وهو العفو وتخلية القلب من تذكر سوء صنيعته وهو الصفح وهما من نتائج الشجاعة والعفة والحكمة التى هى من امهات الخصائل، فان الجبان لا يمكنه ترك الانتقام وان منع جبنه عن الانتقام فلا يمكنه الصفح، والمتهور لا يترك الانتقام البتة والعفيف يمنعه عفته عن مطاوعة النفس بخلاف الشره، والحكيم يرى ان فى ترك الانتقام راحة فى العاجل ودرجة فى الآجل وكسرا لسورة عناد المعاند وجذبا للمحبة والعدالة التى هى احدى امهات الخصائل ايضا تقتضى ذلك، فان اجمال العدالة اعطاء كل ذى حق حقه وحق النفس مطاوعتها للعقل وحق المسيء اصلاحه حتى يترك الاساءة لا انتقامه حتى يزيد فى الاساءة، وآداب المعاشرة مع المقبل المحب مطوية فى ارادة خيره فى كل حال وارادة خيره بان لا يتركه ونفسه بل يعرفه معروفه ويأمره به وهو من نتائج الحكمة والعدالة، وآداب المعاشرة مع الجاهل الغير القابل للخير عدم معارضته وترك محادثته بخيره وهو من نتائج الحكمة والعدالة ايضا وفى الخبر: امر الله نبيه بمكارم الاخلاق وليس فى القرآن آية اجمع لمكارم الاخلاق منها.

[7.200]

{ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } ان يغريك او يوسوسك من الشيطان مغر او موسوس او اغراء او وسوسة حتى تحركك على انتقام المسيء وترك نصح المحب ومعارضة الجاهل { فاستعذ بالله إنه سميع } لاستعاذتك او لنزغ الشيطان وان كان خفيا فى القلب { عليم } بعاقبة ما يأمرك به اوبكيفية دفع نزغ الشيطان.

[7.201]

صفحة غير معروفة