تفسير العثيمين: الزمر
الناشر
مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٣٦ هـ
مكان النشر
المملكة العربية السعودية
تصانيف
مقارِنَةٌ لقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ يعني: حالَ كَوْنِه في سجوده وقيامه يَحْذَرُ الآخرة؛ أي: يخافها، وليس: يخاف وقوعها؛ لأنَّ وقوعَها لا بدَّ، لكن يخاف عذابَها؛ أي: يخاف أن يُعَذَّب.
وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [جَنَّةَ ﴿رَبِّهِ﴾] ولا شكَّ أنَّ الرحمة يُراد بها الجَنَّة، كما قال الله تعالى للجنة: "أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ" (١)؛ ولكن يُرادُ بالرَّحْمَة معنًى آخرُ، وهو: فِعْلُ الله بالعبد؛ أي رحمته للعبد، والأَوْلَى في هذه الآية أن نقول: يرجو أن يَرْحَمَه الله، ويكون المراد بالرحمة هنا: رَحْمة الله التي هي فِعْلُه، يعني يرجو أن يَرْحَمَه الله بالأمرين: بالنَّجاة من النار وبِدُخُول الجنَّة، وهذا المعنى أحْسَنُ؛ لأنَّ المتبادِرَ في الغالب لمعنى الرَّحْمة أن تكون فِعْلَ الله، يعني أنَّ الله يَرْحَمُكَ، وأيضًا إذا قلنا: رَحْمَة الله صار يرجو أن يَنْجُوَ من النَّار أو من عذاب الآخرة، وأن يفوز بالجنَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال ﵀: [كَمَنْ هُوْ عاصٍ بالْكُفْرِ أو غَيْرِهِ] أفادنا المُفَسِّر ﵀ بهذا التقدير أنَّ الآيَةَ يُبَيَّنُ الله فيها أنه لا يستوي هذا وهذا، هل يستوي من هو قانتٌ آناءَ اللَّيل ساجدًا وقائمًا كَمَنْ هو عاصٍ بالكُفْرِ وغيره؟
الجواب: لا، وهذا من بلاغَةِ القرآن؛ فالقرآنُ فيه أشياءُ كثيرةٌ تُحذَفُ لدَلالَةِ المذكور على المحذوفِ، وهذا من البلاغة؛ لأنَّه إذا حُذِفَ الشَّيْءُ استفاد المخاطَبُ فائدتينِ:
الفائِدَة الأولى: اختصارُ الكلام، وهذا واضِحٌ.
_________
(١) أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، رقم (٤٨٥٠)، ومسلم: كتاب الجنة، باب النار يدخلها الجبارون، رقم (٢٨٤٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.
1 / 100