تفسير العثيمين: النمل
الناشر
مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
مكان النشر
المملكة العربية السعودية
تصانيف
ثم هناك الحِكْمَة الغائيَّة: فثَمَرَةُ هذه الشَّرِيعَة والتمسُّك بها هِيَ السعادةُ فِي الدُّنْيا وَفِي الآخِرَة، وهَذِهِ لَا شَكَّ أَنَّهَا غاية محمودةٌ، وأن تشريعَ الأُمُورِ من أجلِ هذه الغايةِ حِكْمَةٌ.
كذلك نأتي إِلَى الأُمُور الْقَدَرِيَّة، نَقُول: الأُمُور الْقَدَرِيَّة أيضًا وَضْعُها عَلَى ما هِيَ عليه بهَذهِ الصورةِ هُوَ حِكْمة، ثُمَّ الغاية مِنْهَا حِكْمَة أيضًا، ولكِن هذه الحِكْمَة فِي صورة الشَّيْءِ وَفي غايةِ الشَّيْءِ شَرعًا أو قَدَرًا قد تكونُ معلومةً للعبادِ، وقد تكونُ مجهولةً. وفَرْضُنَا نحن فيما نَجْهَلُه من حُكْمِ هذه الأُمُورِ الإِيمانُ والتسليمُ، نحن نؤمنُ بأنَّه ما من شيءٍ يَشرَعُه الله وما من شيءٍ يَفْعَلُه الله إِلَّا ولى حِكْمَةٌ؛ ويَجِبُ علينا أنْ نُؤْمِنَ بهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا مقتضَى وصفِهِ بالحكيمِ، لَكِنَنَّا قد نفهم هَذَا الشَّيْء وقد لا نَفهمه، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ لا تُؤتى كُلَّ النَّاسِ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، لكِنْ عَلَيْنَا أنْ نُؤْمِنَ هَذَا الإِيمانَ، ونحن إذا آمنَّا هَذَا الإِيمان فسوفَ نَسْتَسْلِمُ وسوفَ نَرضى بالشرعِ وبالقدرِ؛ لأَنَّنا نعلم أن هَذَا لحكمةٍ.
عندما نَتَأَمَّل الْآنَ أحوال المُسلِمينَ وضَعْفَ دِينهم وانصرافَهم عنِ الدِّينِ، لَا شَكَّ أن هَذَا يُهِمُّنا ويُحزِننا، ولَكِننا إذا نَظَرْنا إليه من جهةٍ أخرى وجدنا أنَّهُ مقدَّر من جهةِ اللهِ، وَأنَّهُ لَا بُدَّ أن يَكُونَ، فلهَذَا حِكْمَةٌ لَكِنَنّا قد لا نَعْلَمُها نحنُ. وهَذَا يَجِب أن تَجْعَلَه جاريًا عَلَى جميعِ أحوالِكَ الخاصَّة والْعَامَّة، أنك تَتيقَّن أنَّ هَذَا لحِكْمَةٍ، ولكِن تَيقُّننا للحكمةِ لا يَمْنَعُنا من فعلِ الأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة الَّتِي أُمرنا بها.
ومثالُ ذلك هَذَا المثال الَّذِي ذَكَرْنا؛ مسألة ضَعْف المُسلِمينَ وانْصِرَافِهِم، هَذَا يُوجِب لنا أن نَتحرَّكَ أكثر للدعوةِ إِلَى الإِسْلامِ وبَيَان محاسنِهِ، والتحذيرِ من مخالفتِه،
1 / 41