تفسير العثيمين: الحجرات - الحديد
الناشر
دار الثريا للنشر والتوزيع
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م
مكان النشر
الرياض
تصانيف
آداب طالب العلم، بل ولا من آداب المؤمن مع أخيه.
﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ اللمز: العيب، بأن تقول: فلان بليد، فلان طويل، فلان قصير، فلان أسود، فلان أحمر، وما أشبه ذلك مما يعد عيبًا، وقوله: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ فسَّر بمعنيين:
المعنى الأول: لا يلمز بعضكم بعضًا، لأن كل واحد منا بمنزلة نفس الإنسان، أخوك بمنزلة نفسك، فإذا لمزته فكأنما لمزت نفسك.
والمعنى الثاني: إن المعنى لا تلمز أخاك، لأنك إذا لمزته لمزك، فلمزك إياه سبب لكونه يلمزك، وحينئذ تكون كأنك لمزت نفسك، وعليه قول النبي ﷺ: «لعن الله من لعن والديه» فقالوا: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» (^١) وعلى كل حال في الآية تحريم عيب المؤمنين بعضهم بعضًا، فلا يجوز لك أن تعيب أخاك بصفة خَلْقية أو صفة خُلُقية، أما الصفة الخَلْقية التي تعود إلى الخلقة فإن عيبك إياه في الحقيقة عيب لخالقه ﷿ فالذي خلق الإنسان هو الله ﷿، والذي جعله على هذه الصفة هو الله ﷿، والإنسان لا يمكن أن يكمل خِلقته فيكون الطويل قصيرًا، أو القصير طويلًا، أو القبيح جميلًا، أو الجميل قبيحًا؟ فأنت إذا لمزت إنسانًا وعبته في خلقته فقد عبت الخالق في الواقع، ولهذا لو وجدنا جدارًا مبنيًّا مائلًا وعبنا الجدار فعيبنا لباني الجدار، إذن إذا عبت إنسانًا في خلقته فكأنما عبت الخالق ﷿
_________
(^١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (٩٠) .
1 / 40