تفسير الشعراوي

الشعراوي ت. 1418 هجري
77

تفسير الشعراوي

تصانيف

[الأعراف: 19]. فهي ليست جنة الخلد وإنما هي جنة سيمارس فيها تجربة تطبيق المنهج. ولذلك لا يقال: كيف دخل إبليس الجنة بعد أن عصى وكفر، لأن هذه ليست جنة الخلد، ولابد أن تنتبه إلى ذلك جيدا حتى لا يقال: إن معصية آدم هي التي أخرجت البشر من الجنة لأن الله تعالى قبل أن يخلق آدم حدد مهمته فقال:

وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة..

[البقرة: 30]. فآدم مخلوق للخلافة في الأرض، ومن صلح من ذريته يدخل جنة الخلد في الآخرة، ومن دخل جنة الخلد عاش في النعيم خالدا. والحق سبحانه وتعالى يقول: { وكلا منها رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35] فالله سبحانه وتعالى أمد الجنة التي سكنها آدم وحواء بكل ما يضمن استمرار حياتهما، تماما كما خلق كل النعم التي تضمن استمرار حياة آدم وذريته في الأرض قبل أن تبدأ الحياة البشرية على الأرض. فالله سبحانه وتعالى له عطاء ربوبية فهو الذي خلق، وهو الذي أوجد من عدم، ولذلك فقد ضمن لخلقه ما يعطيهم استمرار الحياة على الأرض من ماء وهواء وطعام ونعم لا تعد ولا تحصى، فكأن الله تعالى قد أمد الجنة التي سكن فيها آدم وزوجته بكل عوامل استمرار حياتهما قبل أن يسكناها. كما أمد الأرض بكل وسائل استمرار حياة الإنسان قبل أن ينزل آدم إليها. إذن: فقوله تعالى:

يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة..

[الأعراف: 19]. هذه فترة التدريب على تطبيق المنهج. والسكن هو المكان الذي يرتاح فيه الإنسان ويرجع إليه دائما. فأنت قد تسافر فترات، وكل الدول التي تمر بها خلال سفرك لا تعتبر سكنا إلى أن تعود إلى بيتك، فهذا هو السكن، والرجل يكد ويتعب في الحياة، وأينما ذهب فإنه يعود مرة أخرى إلى المكان الذي يسكنه ليستريح فيه. وقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] هو استكمال للمنهج، فهناك أمر ونهي: افعل ولا تفعل: { اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35] أمر: { وكلا منها رغدا } [البقرة: 35] أمر، { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] نهي، وهذا أول منهج يعلم الإنسان الطاعة لله سبحانه وتعالى والامتناع عما نهى عنه، وكل رسائل السماء ومناهج الله في الأرض أمر ونهي.

. افعل كذا ولا تفعل كذا. وهكذا فإن الحق سبحانه وتعالى ضمن لآدم الحياة، وليست الحياة فقط ولكن رغدا، أي: مباحا وبلا تعب وعن سعة وبدون مشقة. كما أننا نلاحظ هنا أن المباح كثير والممنوع قليل، فكل ما في الجنة من الطعام والشراب مباح لآدم، ولا قيد إلا على شيء واحد.. شجرة واحدة من بين ألوف الأشجار التي كانت موجودة في الجنة.. شجرة واحدة فقط هي الممنوعة. وإذا نظرت إلى منهج السماء إلى الأرض تجد أن الله سبحانه وتعالى قد أباح فيه نعما لا تحصى ولا تعد وقيد فيه أقل القليل.. فالذي نهانا الله عنه بالنسبة لنعم الأرض هو أقل القليل، كما كان في جنة آدم شجرة واحدة، والمباح بعد ذلك كثير. وإذا أخذنا ألفاظ العبارات نجد أن الله سبحانه وتعالى ساعة يقول: { وقلنا يآءادم } [البقرة: 35] أتى بضمير " نا " ضمير الجمع، لأن الله واحد أحد، ولكنهم يسمونها: نون الكبرياء ونون العظمة. إذن: فكل حدث يأتي فيه الحق تبارك وتعالى بنون الكبرياء ونون التعظيم لأن كل فعل من الأفعال يحتاج إلى صفات متعددة حتى يتم. فأنت إذا أردت أن تفعل شيئا فإنه يقتضي منك قوة، ويقتضي منك علما، ويقتضي منك قدرة، ويقتضي منك حكمة. إذن: فهناك صفات كثيرة موجودة يقتضيها الفعل. ولكن حين يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن شهادة التوحيد يقول: " إنني أنا الله " ولا يقول: إنما نحن الله.. لأنه جل جلاله يريد توحيدا، ففي موقع التوحيد يأتي بضمير الإفراد واحد أحد.. أما في صدر الأحداث، فيأتي بضمير الكبرياء والعظمة. واقرأ قوله تعالى:

والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون

[الذاريات: 47]. وعندما أراد الحق تبارك وتعالى أن يمتدح إبراهيم قال: " إن إبراهيم كان أمة " ما معنى أمة؟ أي: جامعا لصفات الخير التي لا تجتمع في فرد، ولكنها تجتمع في أمة فالأمة تجتمع فيها صفات الخير.. هذا متميز بالصدق، وذاك بالشجاعة، وذاك بالحلم، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يقول: إن إبراهيم كان أمة، أي أنه كان جامعا لصفات الخير. وفي قوله { وقلنا يآءادم } [البقرة: 35] آدم: اسم علم على المسمى الذي هو أول خلق الله من البشر { اسكن } [البقرة: 35] تحتاج إلى عنصرين: الهدوء والاطمئنان.. هذا هو معنى " اسكن " ، توفير الهدوء والاطمئنان، ومنه أخذ اسم السكن. وكلمة المسكن، وأطلق على الزوجة.. وإذا فقد المكان الذي تسكن فيه عنصرا من هذين العنصرين، وهما الهدوء والطمأنينة لا يقال عليه مسكن، والزوجة سميت سكنا كما جاء في قوله تعالى:

ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة..

[الروم: 21]. لأن الهدوء والرحمة والبركة تتوافر في الزوجة الصالحة، والحق سبحانه وتعالى يقول:

صفحة غير معروفة