329

تفسير ابن باديس ((في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير)).

محقق

علق عليه وخرج آياته وأحاديثه أحمد شمس الدين.

الناشر

دار الكتب العلمية بيروت

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.

مكان النشر

لبنان.

مناطق
الجزائر
روى الإمام إبن العربي- ﵀ بسنده المتصل إلى سفيان بن عيينة ﵀، "قال: سمعت مالك بن أنس- وأتاه رجل- فقال:
يا أبا عبد الله من أين أحرم؛ قال: من ذي الحليفة (١)، من حيث أحرم رسول الله ﵌.
فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل.
قال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة.
قال وأي فتنة في هذا؛ إنما هي أميال أزيدها.
قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﵌؟! إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ".
فليتأمل المسلمون- وخصوصًا المنتسبين إلى مذهب مالك- في فقه هذا الإمام العظيم، ووقوفه عند حدود الله، وليحذروا من عاقبة المتزيدين المتغالين.
بوارق أمل:
لقد شعر المسلمون عمومًا بالبلايا والمحن التي لحقتهم، وفي أولها سيف الجور المنصب على رؤوسهم، وأدرك المصلحون منهم أن سبب ذلك هو مخالفتهم عن أمر نبيهم ﵌، فأخذت صيحات الإصلاح ترتفع في جوانب العالم الإسلامي في جميع جهات المعمورة، تدعو الناس إلى معالجة أدوائهم بقطع سببها واجتثاث أصلها. وما ذلك إلاّ بالرجوع إلى ما كان عليه محمد ﵊، وما مضت عليه القرون الثلاثة المشهود لها منه بالخير في الإسلام (٢).
وقد حفظ الله علينا ذلك بما أن تمسكنا به لن نضل أبدًا- كما في الحديث الصحيح- "الكتاب والسنة" (٣) وذلك هو الإسلام الصحيح الذي أنقذ الله به العالم أولًا، ولا نجاة للعالم مما هو فيه اليوم إلاّ إذا أنقذه الله به ثانيًا.

(١) ذو الحليفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، ومنها ميقات أهل المدينة (معجم البلدان: ٢/ ٢٩٥).
(٢) جاء في الحديث من طريق جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ قال: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» رواه البخاري في الشهادات باب ٩، وفضائل أصحاب النبي ﷺ باب ١، والرقاق باب ٧، والأيمان باب١٠ و٢٧. والترمذي في الفتن باب ٤٥، والشهادات باب ٤، والمناقب باب ٥٦. وابن ماجة في الأحكام باب ٢٧. وأحمد في المسند (٣٧٨/ ١، ٤١٧، ٤٣٤، ٤٣٨، ٢٤٤٢، ٢٢٨/ ٢، ٤١٠، ٤٧٩، ٢٦٧/ ٤، ٢٧٦، ٢٧٧، ٤٢٦، ٤٢٧، ٤٣٦، ٤٤٠، ٥/ ٣٥٠).
(٣) في الموطأ (كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر، حديث٣) عن مالك: أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بها: كتاب الله وسنة نبيه».

1 / 339