121
{ و إذ غدوت } اذكر لنفسك وأصحابك ، لأجل ماترتب على غدوك ، أو اذكر الحادث إذ غدوت { من أهلك } أهل المدينة ، الأوس والخزرج ، أمره بالذكر ليعلم أصحابه عاقبة الصبر وسوء المخالفة إذ خالفوك فاشتغلوا بطلب الغنائم ، وقد أمرتهم ألا يبرحوا فى ثغر أحد ، وظنوا الأمر كأمر بدر ، وإنما نصروا يوم بدر وغنموا ببركة صبرهم وطاعتهم لله ورسوله A بخلاف يوم أحد فخالفوه أمره ، فكان القتل والأسر فيهم ، فهذا تقرير لقوله : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ، فإن لم يصبروا وخالفوا أمرك نصر عليهم العدو ، وتقرير لقوله : لا تتخذوا بطانة من دونكم ، فإن عبد الله بن أبى بن سلول انخذل بثلاثمائة عمدا لخذلان المسلمين ، والمراد بالغدو مطلق الذهاب ، استعمالا للمقيد فى المطلق ، لأن رسول الله A خرج بعد أن صلى الجمعة لا أول النهار ، وسلول أم عبد الله ابن أبى لأجد له ، فهو مكتوب ابن سلول بالألف وتنوين أبى ، ويجوز أن يكون الغدو على ظاهره ، وأصله من بات معه خارجا ، فإنه خرج من بيت عائشة على رجليه بعد صلاة الجمعة ، وقد أقام المشركون الأربعاء والخميس ، وبات ليلة السبت سابع شوال أو خامس عشر ، سنة ثلاث عند بعض ، فى شعب أخذ ، على أقل من فرسخ من المدينة ، ولما أصبح غدا ينزل أصحابه فى منازل القتال ، كما قال { تبوىى المؤمنين } تنزلهم { مقاعد للقتال } مراكز له ، شبهها بمواضع القعود مبالغة فى ملازمتها ، وعدم التخلف عنها . خرج A بألف ، وقيل : بتسعمائة وخمسين رجلا ، والمشركون ثلاثة آلاف ، وفيهم مائتا فرس ، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد فى عدوة الوادى ، وسوى صفوفهم ، وأجلس جيشا رماة خمسين رجلا ، وأمر عليهم عبد الله بن جبير ، وكان معلما بثياب بيض ، بسفح الجبل ، وقال : انضحوا عنا غاينين ، وإذا عاينوكم وولوا الأدبار فلا تتبعوهم ، ولما بلغ عبد الله ابن أبى موضعا يسمى الشوط رجع بثلاثمائة ، وتبعهم أبو جابر السلمى ، يقول : أنشدكم الله فى نبيكم وأنفسكم ، وبقى المسلمون سبعمائة أو ستمائة وخمسين ، وهزموا المشركين ، ولماترك الجيش الرماة مركزهم وأكبوا على الغنيمة خرج عليهم خالد مع كمينه ، واجتمع إليه من تفرق من المشركين ، فهرب المسلمون ، ولم يبق مع رسول الله A إلا سبعة من الأنصار ورجلان من قريش فى رواية ، أو اثنا عشر أو ثلاثون ، وبسطت قصة أحد فى شرح النونية : تيمم نجدا فى تلهفة الجانى وقصد الكفار رسول الله A ، فشجوا رأسه ، وكسروا رباعيته ، وثبت معه طلحة ، ووقاه بيده فشلت إصبعيه ، وجرح فى أربعة وعشرين موضعا ، وغشى على رسول الله A ، فاحتمله طلحة ورجع به ، وكلما أدركه مشرك وضع رسول الله A وقاتل حتى أوصله موضعا فيه جملة من الصحابة ، ولم يفر أبو بكر ولا عمر ولا على ونحوهم ، ولكن كانوا فى موضع غير موضع رسول الله A ، وصيح أن محمدا قتل ، وكان فى جملة من معه رجل من الأنصار ، يكنى أبا سفيان ، فنادى ، هذا رسول الله ، فرجع إليه المهاجرون والأنصار ، وقد قتل منهم سبعون وأسر سبعون ، وكثر الجراح ، فقال A :
صفحة ٤٧٢