تفسير الجيلاني
{ و } من كمال جودنا ولطفنا معه { شددنا } له { ملكه } الظاهر؛ أي: قوينا استيلاءه وتسليطه على الأنام، وألقينا هيبته على قلوبهم إلى حيث لم يخرجوا عن الحدود الموضوعة في شرعه خوفا من اطلاعه.
وسبب هيبته أن تحاكم عنده رجلان، فادعى أحدهما على الآخر بأن غصب منه بقرة عدوانا وظلما، فأنكر الآخر، ولم يكن للمدعي بينة، فأريناه في منامه أن يقتل المدعى عليه، ويحكم بالبقرة للمدعي، فلما استيقظ كذب نفسه واستغفر، فنام فأريناه مثل ذلك، واستيقظ فاستغفر ثانيا، فنام فرأى ثالثا مثل ذلك، فتيقن أنه من الله ، فهم أن يقتله تنفيذا لما ألهم إليه، فقال للمدعى عليه: أتقتلني بلا بينة.
فقال عليه السلام: نعم والله لأنفذن حكم الله تعالى فيك، فلما تفطن الرجل منه الجزم في عزمه، اضطر إلى الاعتراف، حيث قال: لا تعجل يا نبي الله حتى أخبرك، والله ما أخذت بهذا الذنب ظلما وزورا، ولكني قتلت والد هذا المدعي اغتيالا وخداعا.
فتقله عليه السلام: وعظمت هيبته في قلوب الناس، حتى انزجروا عن مطلق المحرمات والمنهيات خوفا من اطلاعه، وقالوا: لا نعمل شيئا إلا علمه، فيقضي علينا بمقتضى علمه، هذا تأييدنا وتقويتنا إياه بحسب الظاهر والسلطنة الصورية.
{ و } أما بحسب الباطن والحقيقة { آتيناه الحكمة } المتقنة التي يتصرف بها في حقائق الأمور، ويطلع على سرائرها بنور النبوة والولاية الموروثة له من أسلافه الكرام، الموهوبة إياه من الحكيم العلام تأييدا له وتقوية لشأنه { و } آتيناه أيضا { فصل الخطاب } [ص: 20] أي: قطع الخصومات على التفصيل الذي وقع بين المتخاصمين بلا حيف وميل إلى جانب على ما هو مقتضى العدل الإلهي بالخطاب المفصول الموضح الواضح المقتصد بلا اقتصار مخل وإطناب ممل، وبالجملة: بلا إغلاق يشتبه مضمونه على المتخاصمين.
[38.21-24]
{ وهل أتاك } وحصل عندك يا أكمل الرسل { نبؤا الخصم } أي: خبر الملكين المكلفين المصورين بصورة الخصمين اللذين جاءوا للحكومة عند أخيك داوود عليه السلام، حين اعتزل في محرابه للعبادة على ما هو عادته في تقسيم أيامه ثلاثة أقسام: يوم لعيش النساء، ويوم لقطع الخصومات بين الأنام، ويوم للتوجه نحو الحق والمناجاة معه سبحانه في محرابه.
وكان في محرابه والباب مغلق عليه، والحراس على الباب فجاءا - أي: الملكان - في صورة رجلين متخاصمين على الباب، فمنعهما البواب، فأخذا يستعليان المحراب.
اذكر نبأهما وقت { إذ تسوروا } أي: صعدوا على حائط { المحراب } [ص: 21] واستعلوا على سوره بقصد الدخول عليه.
اذكر وقت { إذ دخلوا على داوود } من غير الباب بأن شق لهما الجدار، فدخلا عليه { ففزع } داوود { منهم } واستوحش من دخولهم لا من الطريق المعهود، وبعدما تفرسوا منه الرعب والفزع { قالوا } له تسلية وتسكينا: { لا تخف } منا ، ولا تحزن من إلمامنا إياك؛ إذ نحن { خصمان } تحاكمنا إليك حتى تقضي بيننا، وقد { بغى } أي: ظلم واستولى { بعضنا على بعض } أي: أحدنا على الآخر { فاحكم } أيها الحاكم العدل العالم { بيننا بالحق } أي: بالعدل السوي { ولا تشطط } أي: لا تجر ولا تتجاوز عن مقتضى القسط الإلهي { و } بالجملة: { اهدنآ إلى سوآء الصراط } [ص: 22] أي: أعدل الطرق وأقوم السبل في سلوك طريق النجاة.
صفحة غير معروفة