633

فقال أبو جهل: لتعطينكها وعشر أمثالها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قولوا لا إله إلا الله ".

فنفروا من ذلك، وقاموا قائلين على سبيل الإنكار والاستبعاد: { أجعل الآلهة إلها واحدا } فمن أنى يسع الإله الواحد للخلق الكثير؟ { إن هذا } الذي يطلب هذا المدعي { لشيء عجاب } [ص: 5] أي: عجيب بديع ابتدعه من تلقاء نفسه.

[38.6-11]

{ و } بعدما تنفروا من قوله، وتعجبوا من طلبه { انطلق الملأ منهم } أي: أشرافهم قائلين: { أن امشوا واصبروا } أي: اثبتوا { على } عبادة { آلهتكم } ولا تصالحوا معه { إن هذا } الذي حدث بيننا وابتدع فينا { لشيء يراد } [ص: 6] بنا من شؤم الزمان وريبه.

وما لنا إلا الصبر والثبات إلى أن تتجلى الغياهب وترتفع النوائب، مع أنا { ما سمعنا بهذا } أي: بالتوحيد الذي يقوله هذا الداعي { فى الملة الآخرة } التي هي النصرانية؛ إذ النصارى يقولون بالأقانيم الثلاثة، ولم ينقل منهم توحيد الإله، ولا من الذين مضوا قبلهم من أرباب الملل السالفة، وبالجملة: { إن هذا } أي: ما هذا التوحيد الذي ظهر به { إلا اختلاق } [ص: 7] أي: كذب اخترعه من تلقاء نفسه، ونسبه إلى الوحي افتراء ومراء ، قاصدا به التغرير والتلبيس على ضعفه الأنام.

{ أ } تعتقدون أيها العقلاء المتدبرون أنه { ءنزل عليه } أي: على يتيم أبي طالب { الذكر } أي: الوحي والقرآن { من بيننا } من أنه مثلنا ومن بني نوعنا، بل أدون منا، ونحن أشرف منه، وأكبر سنا، وأكثر أموالا وأولادا، وأكرم جاها وثروة، وأعلى سيادة ورئاسة، إنما يقولون هذا على سبيل الإنكار والاستبعاد لا أنهم معتقدون على الوحي والإنزال { بل هم في شك } وريب عظيم { من ذكري } ووحيي إليه، بل إلى جميع المرسلين { بل لما يذوقوا عذاب } [ص: 8] أي: إنما قالوا هذا، وشكوا في الوحي وارتابوا؛ لأنهم لم يذوقوا عذابي، ولو أنهم ذاقوه لما قالوا، فمن أين يقولون هذا ويحكمون أن الوحي لو نزل لنزل على رؤسائنا وسادتنا.

أهم يعلمون الغيب { أم عندهم } أي: عند أولئك البعداء والمهمكين في بحر الغفلة والضلال { خزآئن رحمة ربك } يا أكمل الرسل ومقاليد نعمه ومفاتيح كرمه؛ ليكون لهم الخيرة في أمره سبحانه، فيعطونها على من يشاء، ويمنعونها عمن يشاء، فكيف يحكمون على { العزيز } الغالب على أمره في تصرفات مكله وملكوته بالاستقلال والاختيبار { الوهاب } [ص: 9] على من شاء وأراد بلا مشاورة ومظاهرة.

{ أم لهم ملك السموت والأرض وما بينهما } أي: يدعون أن لهم التصرف في العلويات والسفليات والممتزجات، وإن ادعوا ذلك لأنفسهم { فليرتقوا } وليصعدوا { فى الأسباب } [ص: 10] التي هي معارج الوصول إلى منشأ الوحي والإلهام، ومنبع النزول والإنزال، فليأتوا بالوحي إلى من أرادوا واختاروا.

وبالجملة: من أين يتأتى لأولئك الكفرة العجزة المقهورين الصاغرين الخيرة في أمره سبحانه وحكمه بمقتضى قضائه، حتى يتفوهوا عنه عن أفعاله وأحكامه؛ إذ لا يسع لأحد من أقوياء عباده أن يسأل عن فعله مع أن أولئك الحمقى { جند ما } أي: شرذمة قليلة في غاية القلة { هنالك } أي: وضعوا ونصبوا أنفسهم بمعاداتك في أبعد الأمكنة وأعلى المرتبة، مع أنهم { مهزوم } مغلوب { من } جمع { الأحزاب } [ص: 11] الذين تحزبوا على رسل الله وأنبيائه، مع كمال شدتهم وقوتهم ووفور شوكتهم وصولتهم، فانهزموا واستؤصلوا إلى حيث لم يبق منهم أحد على وجه الأرض .

صفحة غير معروفة