تفسير الجيلاني
ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر
[الملك: 3] وكرر النظر
هل ترى من فطور
[الملك: 3] وفتور في مبدعات الحق ومخترعاته؟!.
{ و } كيف يتفاوت دون قدرته الأشياء؛ إذ { له المثل الأعلى } واليد الطولى، والتصرف التام، والاقتدار العام الشامل لكل ما لاح عليه برق الوجود سواء كان { في السموت } أي: العلويات التي هي عالم الأسماء والصفات باعتبار التنزؤلات من مرتبته الأحدية، والعماء التي لا يسع فيه إدراك مدرك وخيرة خبير { والأرض } أي: السلفيات التي هي هالم الهيولي والطبيعة القابلة لأن تنعكس منها أشعة أنواع العلويات المتفاوتة حسب تفاوت الشئون والتطورات المرتبة على الأسماء والصفات المتخالفة المتكثرة حسب التجليات الحبية الإلهية؟! { و } كيف لا يكون له سبحانه المثل الأعلى؛ إذ { هو العزيز } الغالب في ذاته، حيث تفردت بوجوب الوجود، ودوام البقاء المنيع فناء على سرادقات سطوته وسلطنته عن شوب النقص والقصور مطلقا { الحكيم } [الروم: 27] المقتن في أفعاله وآثاره بالاستقلال على مقتضى حيطة حضرة علمه الكامل بجميع وجوه الكمالات اللائقة لكل ذرة من ذرائر الكائنات؟!.
لذلك { ضرب لكم } سبحانه تبيينا وتنبيها { مثلا } متخذا منتزعا { من أنفسكم } أيها المشركون المتخذون لله شركاء من مصنوعاته وعبيده؛ إذ هي أقرب الأشياء إليكم، وأوضحها عندكم { هل لكم } أيها الأحرار المتصرفون بالاستقلال في منسوباتكم متصرف آخر سواكم { من ما ملكت أيمانكم } وحصلت من اكسابكم من العبيد والإماء الذين هم من جملة منسوابتكم، وهل يصح ويجوز لمملوكيكم أن يكونوا، وبعدوا { من شركآء } معكم يتصرفون أمثالكم { في ما رزقناكم } مثل تصرفكم بلا إذن منكم؟!.
وبالجلمة: { فأنتم } أيها المالكون وما ملكت أيمانكم { فيه } أي: في التصرف والاحتياج إلى الأموال { سوآء } إذ هم أمثالكم، فلأي شيء تحتاجون إليه أنتم، وهم أيضا محتاجون إليه بلا تفاوت ولكن { تخافونهم } وتحذرون منهم أن تتصرفوا في أموالكم وأكسابكم بلا إذن منكم { كخيفتكم أنفسكم } يعني: تخافون على تضييع أموالكم، مثل خوفكم على أنفسكم، بل أشد من ذلك، وبالجملة: تخافون منهم أن تساووا معكم في التصرف في أموالكم؛ فلذلك منعتموهم، ولم ترضوا بتصرفهم وشركتهم في الحطام الدنيا، فكيف ترضون لنا شركة عبيدنا ومخلوقاتنا في ألوهيتنا وربوبيتنا، والتصرف في ملكنا وملكوتنا أيها الغافلون المفرطون في شأننا، والجاهلون بقدرتنا ومكانتنا؟!. { كذلك نفصل } ونوضح { الآيات } أي: دلائل توحيدنا، وبراهين وحدتنا وتفريدنا { لقوم يعقلون } [الروم: 28] ويستعملون عقولهم في تأمل الآيات، والتدبر فيها على وجه العبرة الاستبصار، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
{ بل اتبع } الجاهلون { الذين ظلموا } أنفسهم بالخروج على مقتضى الآيات الواضحة، والبراهين اللائحة { أهوآءهم } الباطلة، وآراءهم الزائغة الزائلة، مع أن اتباعهم بها { بغير علم } فائض عليهم من المبدأ الفياض، بل عن جهل مركوز في جبلتهم مركب مع طبيعتهم في أصل فطرتهم؛ لمقتضى الشقاوة الأزلية والغباوة الفطرية الجبلية، وإذا كان الأمر على ذلك { فمن يهدي } ويرشد { من أضل الله } وأراد ضلاله، وأثبته في لوح قضائه وحضرة علمه من جملة الضالين وزمرة الجاهلين { وما لهم } بعدما نفذ القضاء على شقاوتهم وضلالهم { من ناصرين } [الروم: 29] ينصروهم، ويرشدونهم إلى سبيل الهداية وطريق السعادة والرشاد.
[30.30-34]
وبعدما سمعت يا أكمل الرسل أن الهداية والضلال إنما هو مفوض إلى الكبير المتعال { فأقم وجهك } فاستقم واعتدل بوجه قلبك الذي فاض عليك من ربك تتميما لتكميلك، وتخليصا لك عن قيود بشريتك وأغلال طبيعتك؛ لتصل به إلى مقرك من التوحيد الذي جلبت لأجله { للدين } النازل لك من عند ربك تأديبا لك يا أكمل الرسل ولمن تبعك، وإصلاحا لشأنك وشأن متابعيك { حنيفا } أي: حال كونك مائلا عن الأديان الباطلة، والآراء الفاسدة مطلقا، واعلم يا أكمل الرسل أن { فطرت الله التي فطر الناس عليها } وصيغته التي صبغهم بها أصلية جبلية لا تزول عنهم أصلا، إذ { لا تبديل } ولا تغيير وتحويل { لخلق الله } الحكيم العليم، وتقديره الذي قدره بمقتضى علمه وحكمته كما قال عز شأنه:
صفحة غير معروفة