تفسير الجيلاني
{ و } من كمال قدرته ومتانة حكمته: جعل من امتزاج النطفة النازلة منكم ومنهن، الناشئة من المودة المذكورة، والمحبة المقررة بينكم { رحمة } ولدا مثلكم، ومحييا لكم اسمكم ورسمكم { إن في ذلك } الخلق والإيجاد، والتكميل والتمكن، والتقدير والانبعاث، والانزعاج وأنواع التدبيرات الواقعة فيها، والحكم العجيبة المحيرة لأرباب الفطنة والذكاء { لآيات } عظام ودلائل جسام { لقوم يتفكرون } [الروم: 12] في آثار صنائع الحكيم القدير، والعليم الخبير البصير.
[30.22-25]
{ و } أيضا من { آياته } العجيبة الشأن، والبديعة البرهان: { خلق السموت } وإيجاد العلويات متطابقة مترافعة مع ما فيها من الكواكب المتفاوتة في الإضاءة والإشراق على أبدع نظام، وأبلغ التئام وانتظام، بحيث لا يكتنه عند ذوي العقول، وأولي الإفهام المجبولين على الاستعلام والاستفهام، بل لاحظ لهم منها سوى الحيرة والعبرة، وأنواع الوله والهيمان { و } خلق { الأرض } ممهدة منبسطة مشتملة على جبال راسيات، وبحار واسعات، وأنهار جاريات، وأشجار مثمرات، ومعادن وحيوانات، وأصناف من نواع الإنسان المجبول على صورة الرحمن، الجامع لأنواع التبيان والبيان، وأصناف الدلائل والبرهان؛ ليصير مرآة مجلوة يتراءى فيها صور الأسماء والصفات الإلهية، وينعكس منها شئونه وتطوراته { واختلاف ألسنتكم } أي: لغاتكم وتكلمكم أيها المجبولون على فطرة النيابة والخلافة.
{ و } اختلاف { ألوانكم } من السواد والبياض، وأنواع التخطيطات والتشكيلات، والهيئات الصورية والمعنوية التي اشتملت عليها هياكلكم وهوايتكم، إنما هي من آثار الأوصاف والأسماء الإلهية التي امتدت على ماهياتكم وتعيناتكم أظلالها وانبسطت { إن في ذلك } الانطباق والالتصاق وأنواع الائتلاف والانتظام الواقعة في الأنفس والآفاق على أغرب الوجوه وأبدع الطرق { لآيات } دلائل واضحات، وشواهد لائحات على كمال قدرة العليم الحكيم { للعالمين } [الروم: 22] أي: لكل من يتأتى منه التفطن والتدبر للمبدأ والمعاد من أرباب الهداية والرشاد، والتأمل والتفكر على سبيل النظر والاستدلال من الصنائع والآثار إلى الصانع المؤثر المختار.
{ ومن آياته } العظام أيضا: { منامكم } واستراحتكم؛ تقويما لأمزجتكم، تقوية لقواكم { باليل والنهار } وقت عروض الإعياء والعناء { وابتغآؤكم } طلبكم المعاش فيهما { من فضله } وسعة رحمة جوده، أو على طريق اللف والنشر بأن قدر لمنامكم زمان الليل ولابتغائكم النهار { إن في ذلك } التقدير والتدبير المبني عن كمال العطف واللطف { لآيات لقوم يسمعون } [الروم: 23] دلائل توحيده سبحانه سمع قبول ورضا، ويتأملون في حكمة الحكيم المدبر لمصالح عباده، وما هو إلا صلح لهم.
{ ومن } جملة { آياته } أيضا: إنه سبحانه { يريكم البرق } المبنئ عن هجوم البلاء ونزول المطر أيضا، إنما أريكم سبحانه؛ ليحصل لكم { خوفا } من خشية الله وحلول غضبه وعذابه { وطمعا } لنزول فضله ورحمته، وإنما فعل سبحانه معهم كذلك؛ لتكونوا دائما خائفين من سخطه وبطشه، راجعين من فضله وجوده { وينزل من } جانب { السمآء مآء } بعدما أراكم البرق المخيف المطمع { فيحيي به } أي: بالماء النازل { الأرض } اليابسة { بعد موتها } أي: بعد جمودها ويبسها { إن في ذلك } الإراءة والإخافة والإطماع، والإنزال والإحياء { لآيات } على حكمة القادر المختار ، المستقل في التصرف والآثار { لقوم يعقلون } [الروم: 24] ويستعملون عقولهم في التفكر والتدبر في المصنوعات العجيبة والمخترعات البديعة الصادرة من الفاعل المطلق بالإرادة والاختيار.
{ ومن آياته } المحكمة أيضا: { أن تقوم السمآء والأرض بأمره } يعني: من جملة آياته الظاهرة الباهرة: قيام السماء والأرض بلا عمد وأوتاد وأسانيد، وقرارها ومدارها في مكان معين بلا تبدل وتحول، إنما هو بأمره وحكمه، وعلى مقتضى إرادته ومشيئته، بحث لا يسع لهما الخروج عن أمره وحكمه أصلا { ثم } بعدما تأملتم نفاذ حكمه سبحانه، ومضاء قضائه في معظم مخلوقاته، فلكم أن تتيقنوا { إذا دعاكم } وقت إرادة إعادتكم وإحيائكم { دعوة } متضمنة لأخراجكم { من الأرض إذآ أنتم تخرجون } [الروم: 25] يعني: بعدما أسمعكم بكمال قدرته مضمون دعوته إليكم فاجأتم إلى الخروج منها أحياء بلا تراخ ومهلة تتميما لسرعة نفوذ قضائه.
[30.26-29]
{ و } كيف لا تسمعون وتخرجون منها أحياء بعدما تعلق قدرته سبحانه بإخراجكم وإعادتكم؛ إذ { له } ملكا وتصرفا، إبداعا وإنشاء { من في السموت } من الملائكة المغمورين في آلاء الله ونعمائه، المستغرقين بمطالعة وجهه الكريم { و } من في { الأرض } من أرباب الولاء التائهين في بيدا الألوهية، الفانين في فضاء الربوبية، الهائمين في صحراء الوجود؛ لذلك { كل } ممن أشرق عليه شمس الذات، ولاح عليه نور الوجود، ولمع عليه برق التجليات الحبيبة اللطيفة { له قانتون } [الروم: 26] منقادون مطيعون طوعا وطبعا؟!.
{ و } كيف لا ينقادون ويطيعون لحكه أولئك المسخرون لصولجان قضائه، وقلم تقديره { هو الذي يبدؤا } ويظهر { الخلق } من كتم العدم في فضاء الوجود بمقتضى اللطف والجود، ثم يعدمه ويميته بمقتضى قهره وجلاله أيضا فيها { ثم يعيده } أيضا على ما يشئه في النشأة الأخرى إظهارا لكمال قدرته ومقتضى حكمته؛ كي يظهر مصلحة الإبداء والإبراز في النشأة الأولى، وفائدة ما يترتب عليها في النشأة الأخرى يوم العرض والجزاء { و } أهل الأهواء والآراء الباطلة ينكرون الإعادة، مع أنه { هو } أي: الإظهار بعد الإعدام { أهون } وأسهل { عليه } سبحانه بالنسبة إلى عقولهم السخيفة، وأحلامهم الضعيفة من الإبداء والإبداع لا عن شيء وبلا سبق مادة، وإن كانت نسبة قدرته وإرادته سبحانه إلى كل ما دخل في حيطة حضرة علمه وخبرته على السواء؛ إذ
صفحة غير معروفة