529

وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه...

[الحديد: 7].

إذ العبد وما في يده لمولاه والتصرفات الحادثة في عالم الكون والفساد إنما هي مستندة إلى الله أولا بالذات { و } بعدما علمت ما هو نصيبك وحظك من دنياك، وما معك منه في أخراك إلا الإحسان والإنفاق { أحسن } مما جعلك الحق خليفة عليه { كمآ أحسن الله إليك ولا تبغ } أي: لا تطلب { الفساد في الأرض } اتكالا على ما في يدك من أسبابه التي هي الأموال المؤدية إلى أصناف الفسادات، وارتكاب أنواع المحذورات والمنهيات { إن الله } المطلع لجميع حالات عباده { لا يحب المفسدين } [القصص: 77] منهم، سيما بمظاهرة حطام الدنيا الدنية.

[28.78-80]

وبعدما سمع قارون منهم المواعظ والتذكيرات المتعلقة بإصلاح حاله، النافعة له في الاولى والأخرى أعرض عنهم وعن مقالهم عتوا واستبكارا، حيث { قال } مستعظما بشأنه، مستبدأ برأيه: { إنمآ أوتيته } أي: ما أوتيت بما أوتيت من الرزق الصوري إلا { على علم } حاصل { عندي } يعني: منشأ إتيان المال علي وحصولها عندي اتصافي بعلم كامل موجب لحصولها تحصيلها؛ أي: ما هي وجمعها إلا بحولي وقوتي وعلمي بطرق تحصيلها.

إنما قال هذا بطرا واستغناء، وكبرا وخيلاء، وقيلأ: إنه عالم بعلم الكيمياء، قال سبحانه ردا عليه على سبيل التعيير والتوبيخ: { أ } بتفوه ويقول هذا الطاغي الباغي الهالك في تيه الغي والضلال أمثال هذه الخرافات { ولم يعلم } بالتواتر ومطالعة كتب التواريخ، ومن القصص المثبتة في التوراة { أن الله } المتعزز برداء العظمة والكبرياء { قد أهلك } واستاصل كثيرا { من قبله من } أهل { القرون } الماضية { من هو أشد منه قوة } بحسب الأولاد والأتباع { وأكثر جمعا } لحطام الدنيا، أما يستحي هذا الطاغي المسرف يظهر على الله، ولم يخف من بطشه وانتقامه بغتة { و } من سرعة نفوذ قضاء الله وقت إرادة إنفاذه عند الغضب على أعدائه { لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } [القصص: 78] إذ اطلاعه سبحانه بحالهم وضلالهم يكفي في انتقامهم، فلا يحتاج إلى سؤالهم؟!.

وبعدما ذكروا عنده من الزواجر والعبر فلم ينزجر ولم يعتبر، بل ما زاد إلا بطرا وخيلاء { فخرج } يوما من الأيام من بيته مباهيا { على قومه } مستكبرا عليهم، مستغرقا { في زينته } الكاملة؛ إذ هو على بغلة شبهاء - هي الأبلق الذي كثر بياضه على سواده - وعليه ثباب فاخرة حمر كلها تسر الناظر إليها؛ من صفاء لونها وبهائها، وعلى البغلة سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زية، وقيل: تسعون ألفا على زيه، وعلى خيولهم ومراكبهم أيضا لبسة حمراء، فخرج الناس معه صافين حوله، ناظرين نحوه، متعجبين من حاله، متمنين من الله رتبته، حيث { قال الذين يريدون الحياة الدنيا } وزينتها، وهمهم مقصور إليها، وغاية متمناهم حصول مثلها لهم: { يليت لنا } من حظوظ الدنيا { مثل مآ أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم } [القصص: 79] ونصيب كامل من الدنيا.

{ وقال الذين أوتوا العلم } اللدني والمعرفة الكاملة وبالنشأة الأخرى؛ ردا عليهم وإزالة لحسرتهم، وردعا لهم عن متمناهم على أبلغ وجه وآدكده: { ويلكم } أي: يلزمكم ويلكم، ويحل عليكم هلاككم أيها القاصرون عن معرفة الحق، وما يترتب عليها من المكاشفات والمشاهدات التي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بل { ثواب الله } المحسن المفضل، ورضاه من عبده { خير } من الدنيا وما فيها من أضعافها وآلافها { لمن آمن } له احتسابا على نفسه { وعمل صالحا } أي: قرن إيمانه بالعمل الصالح إحسانا منه بالنسبة إليه سبحانه، وطلبا لمرضاته { و } بالجملة: { لا يلقاهآ } أي: لا يصل إلى هذه المثوبة العظمى، والدرجة العليا التي أعدها الله لعباده { إلا الصابرون } [القصص: 80] على ما جرى عليهم من البليات، وعلى مشاق الطاعات ومتاعب العبادات، والرضا بما أعطاهم الحق ورزقهم من الحظوظ بلا تمن منهم، ولا تحسر إلى مرتبة أحد من أصحاب الجاه والثروة، بل هم بما عندهم راضون، وبما أعطاهم الحق على مقتضى قسمته الأزلية متمكنون مطمئنون، ألا أنهم هم المؤمنون حقا وأولئك الفائزون المفلحون؟!.

ربنا اجعلنا من زمرتهم بمنك العظيم وجودك الكريم.

[28.81-84]

صفحة غير معروفة