معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي
محقق
حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش
الناشر
دار طيبة للنشر والتوزيع
الإصدار
الرابعة
سنة النشر
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
مناطق
•تركمانستان
الامبراطوريات
السلاجقة
أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ حِينَ عُرِضُوا عَلَى آدَمَ، وَأُخْرِجُوا مِنْ ظَهْرِهِ وَأَقَرُّوا بِالْعُبُودِيَّةِ أُمَّةً وَاحِدَةً مُسْلِمِينَ كُلُّهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً قَطُّ غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ آدَمَ نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ "وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فبعث الله النبيين" (١٩-يُونُسَ) وَجُمْلَتُهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَالرُّسُلُ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَالْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ بِاسْمِ الْعَلَمِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ نَبِيًّا ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ بِالثَّوَابِ مَنْ آمَنَ وَأَطَاعَ ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ مُحَذِّرِينَ بِالْعِقَابِ مَنْ كَفَرَ وَعَصَى ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ أَيِ الْكُتُبَ، تَقْدِيرُهُ وَأَنْزَلَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْكِتَابَ ﴿بِالْحَقِّ﴾ بِالْعَدْلِ وَالصِّدْقِ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ ﴿لِيَحْكُمَ﴾ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْكَافِ هَاهُنَا وَفِي أَوَّلِ آلِ عِمْرَانَ وَفِي النُّورِ مَوْضِعَيْنِ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يَحْكُمُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا ﴿الْحُكْمُ﴾ (١) بِهِ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ، أَيْ لِيَحْكُمَ الْكِتَابُ ذَكَرَهُ عَلَى سِعَةِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ" (٢٩-الْجَاثِيَةِ) . وَقِيلَ مَعْنَاهُ لِيَحْكُمَ كُلُّ نَبِيٍّ بِكِتَابِهِ ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أَيْ فِي الْكِتَابِ ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أَيْ أُعْطُوا الْكِتَابَ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يَعْنِي أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، قَالَ الْفِرَّاءُ: وَلِاخْتِلَافِهِمْ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا كُفْرُ بَعْضِهِمْ بِكِتَابِ بَعْضٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ ببعض" (١٥٠-النساء) ٣٢/ب وَالْآخَرُ تَحْرِيفُهُمْ كِتَابَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ" (٤٦-النِّسَاءِ) وَقِيلَ الْآيَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَكِتَابُهُ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي كُتُبِهِمْ ﴿بَغْيًا﴾ ظُلْمًا وَحَسَدًا ﴿بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أَيْ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴿مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ بِعِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ فِيهِمْ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اخْتَلَفُوا فِي الْقِبْلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى الْمَشْرِقِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى الْمَغْرِبِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَهَدَانَا اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصِّيَامِ فَهَدَانَا اللَّهُ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ، فَأَخَذَتِ الْيَهُودُ السَّبْتَ وَالنَّصَارَى الْأَحَدَ فَهَدَانَا اللَّهُ لِلْجُمُعَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَالَتِ الْيَهُودُ كَانَ يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ النَّصَارَى كَانَ نَصْرَانِيًّا فَهَدَانَا اللَّهُ لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي عِيسَى فَجَعَلَتْهُ الْيَهُودُ لِفِرْيَةٍ وَجَعَلَتْهُ النَّصَارَى إِلَهًا وَهَدَانَا اللَّهُ لِلْحَقِّ فِيهِ ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ
(١) في ب: يحكم.
1 / 244