656

تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني

[54]

قوله سبحانه وتعالى : { ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } ؛ قرأ أهل المدينة والشام (يرتدد) بدالين ، وفي الآية تهديد لمن لا ثبات له على الإيمان. قال ابن عباس : (هم أسد وغطفان وأناس من كندة ، ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر رضي الله عنه).

وكان من المرتدين فرقة يقال لهم بنو حنيفة باليمامة ، ورئيسهم مسيلمة الكذاب وكان يدعي النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر ، وزعم أنه أشرك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة ، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم : " من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ؛ أما بعد : فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك! وبعث بذلك رجلين من أصحابه نهشلا والحكم بن الطفيل ، وكانا من سادات اليمامة ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : " أتشهدان أن مسيلمة رسول الله ؟ " قالا : نعم ، فقال : " لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما " ، ثم أجاب : " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ؛ أما بعد : فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين ".

ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي ، وجعل مسيلمة يغلو أمره باليمامة يوما بعد يوم ، فبعث أبو بكر رضي الله عنه خالد بن الوليد في جيش عظيم حتى أهلكه الله على يدي وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب شديدة ، فكان وحشي يقول : (قتلت خير الناس في الجاهلية ، وقتلت شر الناس في الإسلام).

ومن المرتدين أيضا طلحة بن خويلد رئيس بني أسد ، وكان قد ادعى النبوة أيضا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقاتله أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث إليه خالد ابن الوليد ، فقاتله قتالا شديدا ، وهرب طلحة على وجهه نحو الشام ، فلجأ إلى بني حنيفة فأجاروه ، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.

وارتد أيضا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير من العرب منهم : فزارة ورئيسهم عيينة بن حصين ، وبنو سليم وبنو يربوع ، وطائفة من بني تميم ، ورأسوا عليهم امرأة يقال لها سجاح بنت المنذر ، وادعت النبوة ثم زوجت نفسها من مسيلمة الكذاب.

وارتدت كندة ورئيسهم الأشعث بن قيس ، وارتدت بنو بكر بن وائل بأرض البحرين ، وكفى الله المسلمين أمر هؤلاء المرتدين ، ونصر دينه على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وأخبار أهل الردة طويلة مشهورة فلا نطول بذكرها الكتاب.

قوله سبحانه وتعالى : { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } ؛ قال علي والحسن وقتادة : (هم أبو بكر وأصحابه) ، وقال مجاهد : (هم أهل اليمن).

صفحة ١٥٦