تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني
قوله تعالى : { الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم } ؛ قال ابن عباس ومقاتل : " نزلت هذه الآية في سعد بن الربيع - وكان من النقباء - وفي امرأته ابنة محمد بن مسلمة وهما من الأنصار ، نشزت عليه فلطمها ، فانطلق أبوها معها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ؛ أفرشته كريمتي فلطمها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقتصي منه " وكان القصاص يومئذ بينهم في اللطمة والشجة والجراح ، فانصرفت مع أبيها ليقتص منه ، فقال صلى الله عليه وسلم : " ارجعوا ؛ هذا جبريل أتاني " فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم : " أردنا أمرا ؛ وأراد الله أمرا ، والذي أراد الله خير " ورفع القصاص ".
ومعناها : الرجال مسلطون على أدب النساء بالحق ، والقوامون
المبالغون بالقيام عليهن بتعليمهن وتأديبهن وإصلاح أمورهن ، وقوله تعالى : { بما فضل الله بعضهم على بعض }[النساء : 34] أي جعل الله ذلك للرجال بفضلهم على النساء في العقل والرأي ، وقيل : بزيادة الدين واليقين ، وقيل : بقوة العبادة والجهاد ، وقيل : بالجمعة والجماعة وبإنفاقهم أموالهم في المهور وأقوات النساء.
قوله تعالى : { فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } ؛ أي فالمحصنات المطيعات لله في أمر أزواجهن ، وقيل : قائمات بحقوق أزواجهن. وأصل القنوت : مداومة الطاعة ، وقوله تعالى : { حافظات للغيب } أي يحفظن فروجهن وأموال أزواجهن في حال غيبة أزواجهن. ويدخل في حفظ المرأة لغيب الزوج أن تكتم عليه ما لا يحسن إظهاره مما يقف عليه أحد الزوجين على الآخر. وقوله تعالى : { بما حفظ الله } أي يحفظ الله إياهن من معاصيه وبتوفيقه لهن ، ويقال : بما حفظهن الله تعالى في مهورهن وإلزام الزوج النفقة عليهن. قال صلى الله عليه وسلم : " خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك ؛ وإذا أمرتها أطاعتك ؛ وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها "
قوله تعالى : { والاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن } ؛ أي النساء التي تعلمون عصيانهن لأزواجهن فعظوهن ، والنشوز : الرفع عن الصاحب ، مأخوذ من النشز وهو المكان المرتفع ، المراد من الوعظ والهجر والضرب في الآية أن يكون ذلك على الترتيب المذكور فيها ؛ لأن هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذا أمكن الاستدراك بالأسهل والأخف لا يصار إلى الأثقل ، فالأولى أن يبدأ الزوج فيقول لامرأته الناشزة : إتق الله وارجعي إلى فراشي ، فأطاعته وإلا سبها ، هكذا قال ابن عباس رضي الله عنه.
والهجر : الكلام الفاحش ، يقال : هجر الرجل يهجر ، إذا هدأ ، وأهجر الرجل في منطقه بهجر هجارا إذا تكلم بقبيح. وقال الحسن وقتادة : (قوله : { واهجروهن في المضاجع } من الهجر ؛ وهو أن لا يقرب فراشها ولا ينام معها ؛ لأن الله تعالى قرنه بقوله تعالى { في المضاجع }.
صفحة ٤٧٨