المُجَاهِدِينَ، وَيُفَضِّلُهُمْ عَلَى القَاعِدِينَ لِيَنْشَطَ المُجَاهِدُ إِلَى الجِهَادِ، وَيَأْنَفَ القَّاعِدُ مِنَ القُعُودِ؛ فَأَثَّرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَعَزَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرَمَ مِنْ هَذَا الفَضْلِ وَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ ... ثُمَّ سَأَلَ اللَّهَ بِقَلْبٍ خَاشِعٍ أَنْ يُنْزِلَ قُرْآناً فِي شَأْنِهِ وَشَأْنِ أَمْثَالِهِ مِمَّنْ تَعُوقُهُمْ عَاهَاتُهُمْ عَنِ الجِهَادِ، وَجَعَلَ يَدْعُو فِي ضَرَاعَةٍ:
((اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عُذْرِي ... اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عُذْرِي)) ...
فَمَا أَسْرَعَ أَنْ اسْتَجَابَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ لِدُعَائِهِ.
***
حَدَّثَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (١) كَاتِبُ وَحْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ:
كُنْتُ إِلَى جَنْبِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَغَشِيَتْهُ(٢) السَّكِينَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي؛ فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَثْقَلَ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ سُرِّيَ (٣) عَنْهُ فَقَالَ:
(اكْتُبْ يَا زَيْدُ) ... فَكَتَبْتُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .. ﴾.
فَقَامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الجِهَادَ؟ !... فَمَا انْقَضَى كَلَامُهُ حَتَّى غَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّكِينَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَوَجَدْتُ مِنْ ثِقَلِهَا مَا وَجَدْتُهُ فِي المَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: (اقْرَأْ مَا كَتَبْتَهُ يَا زَيْدُ).
فَقَرَأْتُ: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ...
(١) زَيْد بْن ثَّابِت: انظره ص ٣٦٢.
(٢) غشيته السكينة: غطته وحلّت به.
(٣) سُرِّي عنه: كشف عنه ما نزل به من شدة الوحي وثقله.
155