التوسل في كتاب الله عز وجل
الناشر
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
رقم الإصدار
السنة السادسة والثلاثون
سنة النشر
١٢٤ - ١٤٢٤هـ/٢٠٠٤م.
تصانيف
عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾، أي نقضي عليه، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول: قدر وقدّر بمعنى واحد، وقال الشاعر:
فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يكن ذلك الأمر
ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ١ أي قدّر. ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢ قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل٣“ وهنالك دعا يونس ﵇ قائلا ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إنها دعوة تائب منيب إلى ربه، معترفٍ بخطئه، وقدّم بين يدي اعترافه بذنبه توحيد ربه بقوله ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ﴾ فهذا إقرار موقن بوحدانية ربه ﵎، ثم قال ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي أنزهك وأقدسك عما لا يليق بجنابك وبعظمتك، وبعد هذا التوسل العظيم، قدم أيضا إقراره بخطئه قائلا: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي الظالمين لأنفسهم بفعل ما لا ينبغي فعله، وإنه لتوسل من أعظم أنواع التوسلات، فكان أن أجاب الله ﷿ دعاءه، قال تعالى ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
ولذا قال رسول الله ﷺ “دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت
﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في
_________
١ القمر: ١٢
٢ الأنبياء: ٨٧.
٣ تفسير ابن كثير ٣/١٩١-١٩٢
٤ الأنبياء: ٨٨
٥ الأنبياء: ٨٧
1 / 47