ويرد على هؤلاء من يرى أن توضع الشروط أولا للوظيفة والموظف، وأنه على فرض الخطأ في الشروط فإن الشروط التي تخطئ خير من إغفال الشروط كل الإغفال. ويضرب الحكيم كوانتزي
Kwantse
المثل على فضل القانون في جميع الأحوال فيقول: «إنه على الأقل يريح خواطر الرعية، ومثال ذلك أننا إذا قررنا تقسيم الحصص بالاقتراع بين المال والخيل لم تأت الأنصبة على سواء، ولكن الاقتراع يرضي أصحاب الأنصبة؛ لأنه يمنع المحاباة.»
وقد قيل في أصل الحكومة كل ما قاله فقهاء الغرب في القرون الأخيرة مع اختلاف الأساليب، فمن حكماء الصين من يجعل الحكومة ضرورة لانطباع الناس على النزاع والعدوان، ومنهم من يجعلها ضرورة؛ لأنها تتفرغ لعمل لا تتفرغ له الرعية كلها، ويكاد الحكماء أن يتفقوا على أن مصلحة الرعية هي أساس الحق في الحكم، وشعارهم جميعا قول كنفشيوس: إن السماء تقول ما الشعب قائل وتسمع ما الشعب سامع، وإن خلع الحاكم علامة على رجعة السماء في تفويضها.
ولا يشذ عن هذا الرأي من يقول: إن الأرض لابن السماء، فإنهم يحسبونها ملكا له باعتباره مسئولا عن مصالح الرعية، ويقولون: إن تحصيل الضريبة لا يحق للحاكم ما لم تكن جزاء على عمل نافع لمن يؤديها.
إلا أن هذه المذاهب على قدمها وكثرتها لا تعدو مباحث النظر ومساجلات المفكرين ودروس المعلمين، فلم يكن لها أثر في إقامة دولة وإسقاط دولة، وانحصرت فائدتها في تثقيف بعض الولاة والملوك، فمن كان منهم مطلعا على آراء الحكماء عمل بما يروقه من آرائهم، ومن وكل منهم الرأي إلى الوزراء من الأساتذة والمؤدبين، فالناس منتفعون بحكمة وزرائه كلما اقتدروا على العمل بحكمتهم، ولم يحدث قط أن الدولة قامت لتطبيق مبدأ أو سقطت لمعارضة مبدأ، وإنما تأتي الفائدة وفقا لما يستحسنه الملوك والوزراء.
وهناك تجارب سياسية أو إدارية تولدت في الصين من اجتماع ظروف فيها لم تجتمع على هذا المنوال في غيرها.
ومن هذه التجارب القضاء على أمراء الإقطاع بعد نظام الإقطاع الذي أسسه شو كنج ووضع فيه كل ما يمكن من الأقسام، ومنها إقطاع المدن الذي عرف باسم تيين وإقطاع الإمارات أو الدوقيات الذي عرف باسم هو، وإقطاع الحكومات القديمة التي حفظ لها حقها في بلادها إلى حين، وكانت تعرف باسم «وي» وإقطاع الحدود الذي كانت مهمته حراسة حدود الدولة وكان يعرف باسم هوانج.
وقد كان هذا التقسيم على غاية من النفع في بداءته وظل كذلك عدة قرون؛ إذ عملت كل ولاية على تمدين القبائل الهمجية فيها بنشر المعارف الزراعية والعادات التجارية بين أهلها، ثم ضعفت الحكومة المركزية فضعفت رقابتها على الأطراف القاصية، وجاءت الأسرة التالية فبطشت بأمراء الإقطاع كافة واستبدلت بهم حكاما توسمت فيهم الكفاية والأمانة، ثم وضعت نظام الولاية بالامتحان، ورشحت كل من أنس في نفسه القدرة على أداء الامتحان المطلوب، وساعدها على ذلك أن الصينيين يقدسون الأسلاف ويتوجسون من الجندية، ولو أنهم استطاعوا لقصروا الولاية على الآباء والشيوخ المحنكين، فإذا كان الآباء لا يؤخذون بالاختبار والامتحان، فالبديل منهم ذوو الحنكة والدراية الذين يثبتون خبرتهم بالاختبار، أو الامتحان.
هذه الضريبة قضت على الإقطاعيين باعتبارهم طبقة تجمعها جامعة واحدة وتنتقل سيادتها بالوراثة، فمن ارتفع بعد ذلك إلى مكان الولاية واستولى على ضيعة أو إقليم فإنما هو فرد لا تضمه إلى غيره طبقة متساندة، وقد يخلفه وال من عامة الشعب لا عصبية له ولا مزية له على العامة غير درايته واحترام الرعية لعلمه وفهمه.
صفحة غير معروفة