37
أوصل كمال زوار آخر الليل حتى الباب الخارجي، ولم يكد يعود إلى باب السلم حتى ترامت إليه من فوق ضجة مريبة، وكانت أعصابه ما تزال متوترة فداخلته كآبة ورقي السلم وثبا. وجد الصالة خالية، وحجرة الأب مغلقة، وخليطا من الأصوات يعلو خلف بابها المغلق، فهرع إلى الحجرة ودفع الباب ثم دخل، وكان يتوقع شرا أبى أن يفكر في كنهه. كان صوت الأم المبحوح يهتف: «سيدي»، وكانت عائشة تنادي بصوت غليظ: «بابا»، على حين تسمرت أم حنفي عند رأس الفراش وهي تغمغم: وامتد بصره إلى الفراش فدهمه شعور بالفزع واليأس والاستسلام الحزين؛ رأى نصف أبيه الأسفل مطروحا على الفراش، ونصفه الأعلى ملقى على صدر الأم التي تربعت وراء ظهره، وصدره يعلو وينخفض في حركة آلية تند عنها حشرجة غريبة ليست من أصوات هذا العالم، وعينيه مفتوحتين عن نظرة مظلمة جديدة لا ترى ولا تعي ولا تملك أن تعبر عما يعتلج وراءها، فتسمرت قدماه وراء شباك السرير، وانعقد لسانه ، وتحجرت عيناه ، لم يجد شيئا يقوله أو شيئا يفعله، وعانى شعورا قاهرا بالعجز المطلق، واليأس المطلق والتفاهة المطلقة وكأنه فقد الوعي لولا إدراكه أن أباه يودع الحياة، ورددت عائشة بصرا زائغا بين وجه أبيها ووجه كمال ثم هتفت: أبي! هذا كمال يريد أن يحدثك!
وخرجت أم حنفي عن غمغمتها المتصلة قائلة في نبرات ممزقة: أحضروا الطبيب ..
فأنت الأم في حزن غاضب: أي طبيب يا حمقاء!
ثم ندت عن الأب حركة كأنما يحاول الجلوس، وازداد صدره تشنجا واضطرابا، ومد سبابة يمناه ثم سبابة يسراه، فلما رأت الأم ذلك تقلص وجهها من الألم ثم مالت على أذنه، وتشهدت بصوت مسموع وكررت ذلك حتى سكنت يداه. وأدرك كمال أن أباه لم يعد يستطيع النطق وأنه دعا الأم لتتشهد نيابة عنه، وأن كنه هذه الساعة الأخيرة سيبقى سرا إلى الأبد، وأن وصفه بالألم أو الفزع أو الغيبوبة رجم بالغيب، ولكنه على كل حال لا ينبغي أن تطول، إنها أجل وأخطر من أن تبتذل، أما أعصابه فقد انهارت حيالها، وخجل من نفسه إذ نزعت لحظات إلى تحليل الموقف ودراسته، كأن احتضار أبيه يجوز أن يكون زادا لتأمله ومادة لمعرفته، وضاعف ذلك من حزنه ومن ألمه، وقد اشتدت حركة الصدر وعلت حشرجته، ثم ما هذا؟ أيهم بالقيام؟ أم يحاول الكلام؟ أم يخاطب شيئا مجهولا؟ أيتألم؟ أم يفزع؟ .. آه ..
وشهق الأب شهقة عميقة ثم ارتمى رأسه على صدره.
صرخت عائشة من الأعماق «يا أبي .. يا نعيمة .. يا عثمان .. يا محمد»، فهرعت إليها أم حنفي ودفعتها أمامها برقة إلى الخارج، ورفعت الأم وجهها الشاحب إلى كمال، وأشارت إلى الخارج، ولكنه لم يتحرك، فهمست في يأس: دعني أقم بواجبي الأخير نحو أبيك ..
فتحول عن موقفه ومضى خارجا. وكانت عائشة مرتمية على الكنبة وهي تعول، فمضى إلى الكنبة المقابلة لها وجلس، أما أم حنفي فذهبت إلى الحجرة لتساعد سيدتها، وأغلقت الباب وراءها، ولم يعد بكاء عائشة مما يحتمل فقام واقفا وراح يقطع الصالة ذهابا وإيابا دون أن يوجه إليها خطابا . وكان من حين لآخر يرنو إلى باب الحجرة المغلق ثم يضغط على شفتيه بشدة. وتساءل لم يبدو لنا الموت بهذه الغرابة؟ وكان كلما جمع فكره؛ ليتأمل تشتت وغلبه الانفعال: كان الأب - حتى بعد انزوائه - يملأ هذه الحياة، فلن يكون غريبا إذا وجد غدا البيت غير البيت الذي عهده، والحياة غير الحياة التي ألفها، بل عليه منذ اللحظة أن يعد نفسه لدور جديد. واشتد ضيقه بنحيب عائشة وهم مرة بأن يسكتها ولكنه لم يفعل، وعجب من أين لها بهذا الشعور وقد كانت تبدو جامدة غريبة عن كل شيء. وعاد يفكر في اختفاء أبيه من هذه الحياة فكبر عليه تصور هذا، ثم ذكر حاله الأخير فأكل الحزن شغاف قلبه. وذكر صورته القديمة الماثلة في خاطره، وهو في تمام أبهته وقوته، فشعر برثاء عميق للكائنات جميعا، ولكن متى يسكت نحيب عائشة؟ .. ألا تستطيع أن تبكي - مثله - بغير دموع!
وفتح باب الحجرة وخرجت منه أم حنفي، وترامى إليه من خلال الباب قبل أن يغلق نحيب الأم، فأدرك أنها فرغت من أداء واجبها وخلصت للبكاء. وتقدمت أم حنفي من عائشة وقالت لها بصوت غليظ: كفاية بكاء يا سيدتي ..
ثم تحولت إليه قائلة: الفجر لاح يا سيدي، نم ولو قليلا فأمامك غد عصيب ..
صفحة غير معروفة