مواقف حلف فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم
الناشر
بيت الأفكار الدولية
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٨ هـ
مكان النشر
بيروت
تصانيف
يرفع بها صوته". «١»
وعن جابر ﵁ قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كديّة شديدة، فجاؤوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: «أنا نازل»، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب في الكدية فعاد كثيبا أهيل أو أهيم «٢» ... وفي رواية: «والله لولا أنت ما اهتدينا» . «٣»
لقد كان بإمكانه ﷺ أن يبقى في حصن منيع وأن يتخذ لنفسه حرسا، وما أكثر الذين يفدونه بأرواحهم من أصحابه، ولو فعل ذلك لم يعترض عليه أحد، ولرأى الصحابة أن ذلك من حقه وأن من واجبهم أن يقوموا بحمايته، وأن يتولوا حماية المدينة بحفر الخندق.
ولكنه ﷺ قدوة عليا لأمته فهو دائما يسابق أصحابه إلى البذل والتضحية، ولا يوفر نفسه من الأعمال الشاقة. إن مشاركة النبي ﷺ بنفسه في حفر الخندق مع أنه زعيم المسلمين وإمامهم وبين قوم يفدونه بأرواحهم لمن أقوى الأدلة على صفاته التربوية العالية وخلود عظمته عبر الأجيال. فلم يجعل من نفسه زعيما دنيويا يصدر الأوامر
_________
(١) البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب: حفر الخندق، رقم (٢٨٣٥) وينظر هناك اطراف هذا الحديث.
(٢) كثيبا: أي رملا، كثيبا أهيل أو أهيم: أي صار رملا يسيل ولا يتماسك.
(٣) البخاري: كتاب المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، رقم (٤١٠١) .
1 / 54