إلى أن غيرت قمرية مجرى الحديث وأخذت تتطلع في عيني الملك في ثبات؛ قائلة: ما قبلت هذه المهمة - القذرة - إلا لكي أراك وأتحقق بنفسي بما سمعته عنك وعن سعة رحمتك.
ابتسم التبع ذو اليزن: ماذا سمعت؟
قالت: سمعت ما يبهر أعداءك قبل محبيك.
زفر الملك مستريحا: أحقا؟ أتصدقين؟
اندفعت قمرية من فورها جاثية منكبة عند ركبتيه، وتتطلع في انبهار من تواضعه الجم، فمد ذو اليزن يده إليها: اجلسي في بيتك، في هذا الكفاية.
وعم صمت ثقيل بينهما، ارتفعت فيه أصوات عزف موسيقى خافت وغناء من قاعة الطعام فدعاها التبع إلى العشاء مكررا: أنت في بيتك.
كان الملك التبع ذو اليزن قد زاد من معرفته بها بعدما راقت في عينيه، محرزة من فورها مكانة في قلبه لم يسبق لامرأة أن بلغتها من قبل.
وكان الملك ذو اليزن قد أصبح في الفترات الأخيرة نهبا للوحشة والانعزال، بعدما أحس مرضا حاول جاهدا كتمانه عن الجميع، خاصة وهو لم يخلف له وريثا لعرش التباعنة.
لذا آثر كتمان آلامه وأحزانه، تحسبا لمدى الأخطار التي يمكن أن تتفجر على طول مناطق حكمه ونفوذه المترامي، إذا ما أشيع وتواتر خبر مرضه المفاجئ وما ألم به. - كارثة.
ومن هنا جاء وصول تلك السيدة الحكيمة الباهرة الجمال الذي يزينه عقل راجح وبعد بصيرة، متوافقا كل التوفيق لما هو فيه. - قمرية، جئتني في وقتك.
صفحة غير معروفة