ولكل قلب قرة في قربه لو استنزل به العصم لأجابت، أو استعينت به الأعوام لأنابت، هو سماء فضل جادت بصوب الحكم، وشيء طلع حاله من العلم، وما أودعه من التعويد بماضي الغيد، فالله يهنيه نعمه الظاهرة، ويصلها بخيرات الآخرة، ويعيد على الجميع من بركات العيد، وينظر إلينا بعين الرحمة يوم يقال {لجهنم هل امتلات وتقول هل من مزيد}، وما أشار إليه من النعم المتكاثفة بما من الله من الفتوح المترادفة فهي نعم جليلة الأخطار، متباعدة الأرجاء والأقطار، استيصال شأفة الباطنية الملحدين، واجتثاث جرثومة الكفرة العمين، أخرجهم من صياصيهم ومكن من نواصيهم، فصاروا أسرى بعد أن كانوا أمراء، لم تغن عنهم من الله شيئا، ولا منعتهم فدتهم(1) من جنود الحق، ولا قلعتهم، أحاطت بهم جنود الإسلام فاقتلعتهم، وتزلزلت بهم القلل الشوامخ حتى وضعتهم، وكان هذان الموضعان منشأ تدليسهم، وموضع إفاضتهم وتأنيسهم وهما غاية الإلحاد، ومنهما طرأ مذهبهما الخبيث في جميع البلاد فنقول: الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد على كل حال، وهذا وإن كان من أنواع الشكر فهو بالإضافة إلى الشكر الحقيقي غير معدود، ونحن مقصرون عن الشكر الكلي، وهيهات أن نتسنم إلى حضيضه لنكوص الجد وضعف المريرة، وتلويث القلب بالشعب الدنيوية، (وملابسه)(2) الفكرة لأحوال العاجلة، إذ كان الشكر من صفات السالكين، ونحن منهم بمعزل، وهم يقولون: إن الشكر لا ينتظم إلا من ثلاثة أصول: علم، وحال، وعمل، وعلى التحقيق لاحظ لنا فيها إلا في واحد منها فأما نفثات اللسان في بعض الأحيان، وجنوح الجنان في أوبة من الزمان، فهذا شكر الوكلة، (بضاعة)(3) الثكلة، وهو صفتنا الغالبة، وأحوالنا المتناسبة، وعسى ولعل فقد ورد في الأثر ((ذنوب المقربين حسنات إلابرار))، وما هذا معناه، في بعض الآثار أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل: ((كيف أصبحت؟)) قال: بخير يا رسول الله، فأعاد السؤال (عليه) (1) وأعاد، حتى قال : في الثالثة بخير أحمد الله واشكره، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((هذا الذي أردت)) (و) (2) ذلك في بعض حقائق الشكر، عن الجنيد رحمه الله تعالى الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة، ولعلنا قد أخذنا من هذه الحقيقة بنصيب، وليعلم أطال الله عمره أن هذه النعم الجليلة مع حسن العقيدة، وصلاح النية، وانتفاء الشوائب حقيرة بإلاضافة إلى ما وعد الله، وهذا كما ورد في الحديث: ((الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر))(3)، ونعوذ بالله أن يكون ثوابا معجلا فلاجرم [ينشر] (4) ما (وقع) (5) من الفتوح (للمسلمين) (6) على أيدينا للزلفة عند الله ولما وعد المجاهدين (بأن ثوابهم)(7) على قدر أحوالهم (وتأثرهم) (8)، سيما في مثل هذا الزمان فإن أبواب الشر فيه مفتحة، وأبواب(الجنة) (9) مغلقة، فوقوع مثل هذه الأمور فيه كالخارق للعادة لمن تأمل وعقل، فأما ما يعتقده الناس من السرور بشدة الوطأة وانبساط الدولة فهذه نقمة نعوذ بالله منها، وماذا يفعل الحليم بملك فايل، وظل زايل، تزول زهرته، وتبقى تبعته، ما من عبد[إلا] (1) (أمعن)(2) النظر في أحواله رأى من الله نعما كبيرة تخصه لا يشاركه فيها الناس كآفة، وقد ورد في (الأثر) (3): إن حياء العبد من تتابع نعم الله عليه، ومعرفته بتقصيره عن الشكر شكر، والاعتذار من قلة الشكر شكر، والاعتراف (أن) (4) النعمة ابتداء من الله من غير استحقاق شكر، وحسن التواضع بالنعم والتذلل فيها شكر، وعلى الجملة فأحوالنا ضعيفة، ونفوسنا مهينة، وأمورنا مشوبة عيبا وحكما، إذ قلوبنا مزابل الشهوات، وملاعب الشيطان، فالله المستعان، (والله) (5) المستعان.
[وأختصر من كتاب كتبه إلى ولده علي] (6) عليه السلام: ثبت الله أحوال الولد جمال الدين على بن أمير المؤمنين، ووفقه لمحاسن الخلال، وزينه بالإحاطة بعلم الحرام والحلال، وأكرمه بالورع والتقوى، وألزمه سمت الحق في الصمت والنجوى، وهداه إلى الخيرات، وذاده عن المكروهات والمحظورات، وأتحفه بشريف السلام.
صفحة ١٩٢