ويسير على الزميلات المتنافسات أن يدركن حب النبي لعائشة، ويلحظن أنها كانت أحبهن جميعا إليه، وأقربهن جميعا إلى فؤاده.
ولكن الذي لم يكن يسيرا عليهن أن يدركنه أو يلحظنه أنها هي - رضي الله عنها - كانت أشدهن حبا له، ونفاذا إلى نفسه، واتصالا بقلبه ولبه.
فكلهن كن يحببنه، ويتنافسن على قربه، ولو كان فيه التنافس على الموت وفراق الدنيا ومن فيها. وحدثهن يوما عمن تلحق به بعد فراقه الدنيا فقال: «أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا» ... فجعلن يقسن أيديهن، وما منهن إلا من تتمنى أن تكون هي صاحبة اليد الطولى، ثم ظهر لهن أن المراد بالطول هنا طول اليد بالصدقة والعمل الصالح ... فغبطن زميلتهن زينب بنت جحش؛ لأنها استحقت اللحاق به لعملها بيدها، وإكثارها من الصدقات على مستحقيها.
إلا أن الحب الذي يبدو من فطنة عائشة لسرائر النبي أعمق وأقوى، فما منهن من لصقت بنفسه كما لصقت بها، ومن نفذت إلى معانيه كما نفذت إليها، ومن عاشرته في روحه وطويته كما عاشرته بروحها وطويتها، وفي كلامها من الشواهد على ذلك ما ليس في كلامهن، على تيسر الوسائل لهن أن يعرفن مثل ما عرفت، وأن ينقلن عنه مثل ما نقلت، وليس أدل على اقتراب الحب من هذا الاقتراب الذي امتازت به عليهن؛ فكان إيثار النبي لها ضربا من العدل على هذا الاعتبار.
لقد كانت تحبه حب المسلمة لنبيها، وكانت تحبه حب الزوجة لزوجها والمرأة لرجلها، وكانت تعجب بجماله كما تعجب بأدبه وعظمة قدره.
وكان يسرها أن تستمع إلى صوته، وتصغي إلى ترتيل حديثه، كما يسرها أن تستوضح معناه؛ لأنه - كما كانت تقول لسائليها - لا يسرد كسردكم هذا ولكنه «يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه».
وكانت تغار عليه أشد غيرة عرفتها امرأة على زوجها، وربما خرج من عندها في ليلتها فإذا هي تتبعه إلى حيث ذهب مخافة أن يلم ببيت زميلة من زميلاتها، ووجدته في ليلة من هذه الليالي قد ذهب إلى المقابر يصلي للشهداء ويستغفر لهم، فعادت إلى بيتها تقول لنفسها: بأبي أنت وأمي، أنت في حاجة ربك وأنا في حاجة الدنيا! ولكنها لبثت مكروبة الصدر مما خاطرها من خاطرها الأول ومن خطأ ظنها. فلما قفل عليه السلام إليها لحظ ما بها فسألها: ما هذا النفس يا عائشة؟! فقالت: بأبي أنت وأمي، أتيتني فوضعت ثوبيك، ثم لم تستتم أن قمت فلبستهما، فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنك تأتي بعض صويحباتي حتى رأيتك بالبقيع تصنع ما تصنع ... وخرج مرة أخرى ثم عاد إليها فإذا هي في مثل تلك الحالة، فقال: أغرت؟ قالت: وهل مثلي لا يغار على مثلك؟ فقال: لقد جاءك شيطانك!
ولم تنس قط أن تتحلى بما يروقه من مرآها، فكانت تلبس المعصفر والمضرج، وتتحرى ما يعجبه من الطيب والحلية، ودخلت عليها امرأة وهي معصفرة فسألتها عن الحناء، فقالت: شجرة طيبة وماء طهور، وسألتها عن الحفاف فقالت لها: «إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك فتصنعيهما أحسن مما هما فافعلي.» •••
ومن الجائز - أو ربما كان الواقع - أن زميلاتها أمهات المؤمنين كن يغرن على النبي مثل غيرتها، ويجهدن في رضائه مثل جهدها، ولكنهن - ولا ريب - لم يبلغن شأوها في حبها إياه حين نفهم من الحب ذلك الاقتراب بين النفسين بالبداهة والشعور، وليس في أحاديثهن عنه مثل ما في أحاديثها عنه من ذلك الإحساس بالقرب وذلك النفاذ إلى الطوية، وليست المسألة هنا مسألة الكثرة أو القلة في الأحاديث، فربما كان تعليل الكثرة في أحاديث عائشة عن النبي أنه كان - عليه السلام - أكثر تحدثا إليها وارتياحا إلى مجالستها ومسامرتها، ولكنها مسألة الرفق في الأداء والخبرة بالمعنى والقدرة على الاستيحاء والشعور الباطن بقلة الحواجز بين النفسين واتصال الحس بينهما واللقانة.
ومن البديه أنها لم تبلغ هذه المنزلة في حب النبي وفهمه طفرة واحدة، ولا في سنة واحدة أو سنتين، بل لبثت السنوات الأولى من عشرتها له وهي تقترب من الأنس به إلى المعرفة بنفسه وعقله والترقي إلى عظمته ونبله ... حتى أدركت ما يتاح لها أن تدرك من تلك العظمة التي تعلو على هامتها وهامات الرجال من حولها، ولكنها هي - ببداهة المرأة وبداهة الحب الأنثوي - كانت تستقرب ما يبعد على غيرها، وتستعيض ما يفوتها من الفهم الواضح بما يفوتهم من اللقانة الباطنية والوعي المستسر في الأخلاد.
صفحة غير معروفة