ذلك النعيب الجهنمي لا توجبه معلومات الباحثين عن أطوار الطبقات، ولا تتأدى إليه المقدمات التي وصلنا إليها أو نبصر أمامنا أننا واصلون إليها، وإنما المقدمة التي توجبه كامنة هنالك في خبيئة الظواهر النفسية المريضة، مقدمته نفس خبيثة مطبوعة على الشر لا تريده غيره، ولا تطيق النظر إلى شيء يمتزج فيه بأمل من آمال الخير أو عاطفة من عواطف البر والأمان.
القيمة الفائضة
القيمة الفائضة أصل من أصول المذهب الماركسي، لا يقل شأنها فيه عن شأن حرب الطبقات أو التفسير المادي للتاريخ، ولعله أخطر شأنا فيه من كليهما، إذ لا حرب بين الطبقات، ولا تفسير للتاريخ بوسائل الإنتاج، إن لم تثبته نظرية القيمة الفائضة، ولا محل للقول بالمجتمع الذي لا طبقات فيه إن لم تثبت هذه النظرية، فإن القيمة الفائضة هي ربح رأس المال الذي يقوم عليه المجتمع ويتهدم لأجله، فيخلفه مجتمع لا فضلة فيه من الربح فوق نتاج العمل، ولا طبقات، ولا استغلال.
وخلاصة القيمة الفائضة في مذهب «كارل ماركس» أن قيمة كل سلعة إنما هي قيمة العمل الإنساني فيها، ولكن العامل لا يأخذ هذه القيمة كلها، بل يأخذ منها مقدار ما يكفيه للمعيشة الضرورية، وتذهب القيمة الفائضة إلى صاحب رأس المال بغير عمل.
وأحوج ما تكون النظرية إلى الثبوت في مذهب «كارل ماركس» يكون حظها من الوهن والتلفيق والمحال، وقد قيل عن نظرية القيمة الفائضة من هذا المذهب أنها «كعب أشيل» أو مقتل المذهب في جملته، وهي في الواقع كذلك لولا أن الكعب أخفى موضعا في هذه النظرية المنكشفة بجميع مقاتلها من النظرة الأولى إلى النظرة الأخيرة.
ما هي القيمة «أولا» في علم الاقتصاد؟ إنها شيء غير الثمن، وغير الكلفة، وغير السعر، ولكن الفاصل بينها لم يوجد بعد على حد قاطع لا خلاف عليه.
وقد نجحت المشكلة مع الخطوة الأولى من خطوات البحث في علم الاقتصاد، إذ لا معنى لعلم الاقتصاد، إن لم يكن معناه أنه علم «التقويم» أو البحث في القيم وعواملها ومؤثراتها وأسباب التأثير فيها.
ولا داعية إلى معرفة كبيرة بالاقتصاد أو اختصاص عظيم بفن من فنونه العويصة للعلم بأن القيمة غير الثمن، فالثمن معروض مطلوب لا يجهله من يسأل عنه، وتقديره بعد عصر المقايضة يرجع إلى قيمة المعادن الحقيقية، وقيمتها المتداولة، وقيمتها في حساب الدولة التي تضرب المسكوكات، وهنا تدعوه الحاجة إلى التفرقة بين القيمة والثمن؛ لأن العملة التي قدر بها الثمن هي نفسها ذات قيمة لا بد من البحث عنها.
ولم يكن معقولا أن يسأل الباحث الاقتصادي عن قيمة الشيء فيقول: إنها هي ثمنه بالعملة المعدنية، فإننا لا نزال بعد ذلك مضطرين إلى البحث عن قيمة العملة وقيمة المعدن ومعيار هذه القيمة في عرف التجارة وعرف الدولة التي تضرب باسمها المسكوكات.
قالوا: إن الثمن هو قيمة الشيء مقدرا بالنقود، وأما قيمته بالسلع الأخرى فهي قيمة العمل الذي يستلزمه كل منها، فإذا قيل مثلا أن قيمة الذراع من الحرير تساوي مائة رغيف، فمعنى ذلك أن العمل اللازم لصنع ذراع الحرير يساوي العمل لصنع مائة رغيف.
صفحة غير معروفة