انتشار الربا وعموم الذنوب
كذلك أيها الإخوة: من أسباب هلاك الأمم: عموم الذنوب جميعًا، يقول الله جل وعلا: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام:٦]، ويقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٩] ومن أعظم الذنوب التي هي سبب للهلاك العام، والمصائب العامة: جريمة الربا، كبيرة الربا، مصيبة الربا التي في هذا الزمان جاء من خفافيش المسلمين الذين درسوا في الغرب يحاولون أن يقنعوا الناس بأن الربا الموجود في البنوك ليس هو الربا المحرم، أن نبدأ بغسيل أدمغة البشر في أن نغير الجريمة التي جَرَّمها الله، والمنكر التي عده الله منكرًا، والحرام الذي جعله الله حرامًا، أن نغسل عقول البشر، ونقول: لا، إن الربا الموجود في البنوك ليس هو الربا المحرم، وذلك مثل: أن يأتي واحد يشرب خمرًا، يقول: انظر هذا ليس هو الخمر المحرم، الخمر الحرام شيء آخر، ويأتي آخر يزني، يقول: هذا ليس هو الزنا الحرام، الزنا الحرام شيء آخر، هذه مسألة لا تنتهي، إذا أصبح الفجار المفسدون الخبثاء، الذين يتكلمون بألسنتنا، وهم من بني جلدتنا، ويلبسون كثيابنا يغسلون أدمغتنا، كونه والله يتعامل بالربا مصيبة تخصه، لكن أن يقول للناس: إن الربا الموجود ليس هو الربا المحرم.
أجل ليس هو الربا المحرم يا سماحتك؟! طاغوت من طواغيت الأرض يسمي نفسه دكتورًا وينشر بحثًا، ويقول: إن الربا الموجود ليس هو الربا المحرم، هذه المصيبة مصيبة مركبة، أن يرتكب الإنسان الفاحشة الكبيرة والجريمة، وأن يقول: ليست هذه هي الجريمة المحرمة، انتبهوا لهذه المسألة حتى لا تغسل أدمغة الشعوب في آخر الزمان، ولذلك صح في الحديث: (يأتي على الناس زمان يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) وعلى ذلك فقس، سيأكلون الربا ويسمونه القروض الإنتاجية التي لا يدخلها الربا، ويأكلون الربا ويسمونه سندات الخزينة، ويأكلون الربا ويسمونه خصم الأوراق المالية.
كونك تفعل منكرًا؛ هذا منكر، لكن كونك تقول: الذي أفعل ليس بمنكر، قف عند هذا الحد، وما عرفنا يومًا واحدًا رجلًا يريد أن يميز عِقْدًا له من أي الذهب هو، فذهب به إلى سوق الغنم، واحد عنده ذهب، يريد أن يعرف هل هو ذهب عيار واحد وعشرين، أو سبعة عشر، يذهب به إلى سوق الغنم، يقول: لو سمحتم أعطوني جوابًا، هل هذا ذهب عيار واحد وعشرين أو سبعة عشر؟ هذا مجنون، كذلك إذا أصبح الذين يتكلمون في أمور الشريعة، ويحددون الربا المحرم من الربا غير المحرم غير أهل علم، أصبحنا كمن يصدق تمييز الذهب من أهل الغنم ليس هذا صحيح، ولا بمعقول أبدًا، وإنما يعرف الذهب أهلُه، وإنما يعرف الجواهر أهلها، وهم العلماء، ولذلك فإن سماحة الشيخ/ ابن باز رد ردًا جميلًا، أسأل الله أن يمتع به على طاعته، وأن يبقيه، وأن يمد في عمره، وأن يبارك في حياته، يجعله ظلًا على هذه البلاد، وعلى الإسلام والمسلمين، رجل والله ما عرفت الأمة قدره حتى الآن، نعم نحن نحبه، ولكن:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
الناس ما عرفوا قدر الشيخ/ محمد بن إبراهيم إلا لما ولى وانتهى، وأفضى إلى ربه، أسكنه الله فسيح جناته، وجمعنا به في الجنة، وكذلك -أيها الأحبة- يبقى عدد من العلماء الذين ننصحكم بالتعلق بهم، دعوكم من فتاوى المرتزقة، وأذناب المادة الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، وأصبحوا يحللون ويحرمون بما يمليه عليهم أصحاب الأهواء والشهوات حتى يقولون: هذا ربًا حرام، وهذا ربًا ليس بحرام، وغيره، لا.
الزموا هؤلاء، والزموا غرزهم، وخذوا الدين والعلم منهم، فهم أتقى وأخوف وأخشى لله جل وعلا، فمن هؤلاء يؤخذ الدين، وإلا إذا أردنا أن نسمع لقول كل ناعق، فآخر مصيبة أتتنا: الشيخ الغزالي رده الله إلى الحق ردًا جميلًا يقول: الغناء ليس بحرام؛ مصيبة المصائب، كذلك إذا أراد الإنسان أن يأخذ دينه بالفتاوى الهامشية، ويترك الثقات الذين عرفوا بالتمسك بالدين والزهد، والصلاح والورع وقيام الليل، والتعفف عن أموال الناس، وعن الدنيا، إذا ترك أخذ الدين من هؤلاء الصالحين، وأخذ من هؤلاء وهؤلاء، هذه مصيبة الأمة.
كذلك خذوا مثالًا آخر: وجد شيخ يقول: لا بأس لمن أردن أن يسبحن على الشاطئ أن يجمعن بين الظهر والعصر؛ لأن الشريعة جاءت برفع الحرج، والمشقة تجلب التيسير، لا حرج أن تجمع الظهر والعصر على الشاطئ، نعم -يا أيها الإخوة! - حينما نريد أن نسمع الرخص والفتاوى، التي تخرج بفلوس وبغير فلوس، أو للأهواء والشهوات، ولا تخرج توقيعًا عن رب العالمين، في أشياء كثيرة، ولذلك يقول السلف: من تتبع الرخص تزندق، أقول: إن الربا من أسباب هلاك الأمة، يقول ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٧٨ - ٢٧٩].
الحرب من الله ما نوعها؟ ما شكلها؟ حرب ليست بالكيماوي المزدوج، وإنما بجنود الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١] خسف، مسخ، زلزال، براكين، اجتياح، تسلط.
أيها الإخوة: اعلموا أن من أسباب الهلاك، لما تسلط هولاكو التتري على أمة الإسلام، كم تتصورون مات من المسلمين في ذلك الزمن؟ أقل الروايات تقول: مات ثمانمائة ألف مسلم من أهل السنة، لكي نعلم أن الذنوب من أسباب هلاك الأمة، نحن لا نزال نظن أنه ربما تهلك دولة وراءنا، تهلك دولة جنبنا، تهلك دولة عن يميننا، لكن ما خطر في بالنا أنه يُحتمل أن نهلك نحن، لماذا؟ هل بيننا وبين الله عهد أو ميثاق؟ هل أخذنا صكوك الجنة؟ هل أخذنا الميثاق بأن لا يصيبنا ما أصاب الأمم السابقة؟ لا.
فقد أهلكت أمة بذنب وبذنبين وبثلاثة، فما بال أمة اجتمع فيها كثير من الذنوب -ولا حول ولا قوة إلا بالله- ولا نقول شؤمًا هلكتم، أو هلكنا: (من قال هلك الناس فهو أهلكُهم)، وفي رواية: (أهلكَهم) لكن نقول: احذروا وهذه الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله جل وعلا يغار على نعمه حينما يرى العباد يجمعون ويتفقون، ويسكتون ويداهنون وينافقون، ويرتكبون المعاصي بنعم خلقها، وخيرات رزقها، وأمور سخرها، يرى عباده يعصونه بها، والله إن أخذه أليم شديد، ثمانمائة ألف في أقل الروايات، وفي بعض الروايات: هلك مليون، وفي بعضها مليون وزيادة، بعض الناس يقول: لا يمكن أن يموت خمسمائة ألف جميعًا؟ نقول: لماذا لا يموتون؟ أليس الذي خلقهم قادرًا على إبادتهم؟ ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] لا تظنوا أنكم أكبر شيء في هذا الوجود، هناك من هو أعظم منكم، وخلقه الله جل وعلا بأمره، بقوله: كن فيكون، أفيعجزه أن يهلك أمةً بلغت الملايين، أو بلغت أكثر من ذلك، أو أقل؟ كذلك أيها الأحبة: يرد الظلم في القرآن ويشمل معنى الذنوب التي بها تهلك الأمم، ولا حول ولا قوة إلا بالله جل وعلا، يقول تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١١ - ١٥].
أيضًا: لا تظنوا أنه يدفع عنا الهلاك أن نقول: الله يعفو ويتسامح، إنا والله مذنبون! إنا والله ظالمون! اسمع قول الله جل وعلا: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء:١٥] يعني: يقولون ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:١٤] مازالت هذه الكلمة دعواهم، لكن هل دفعت عنهم البلاء: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٥]، ويقول الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٠ - ١٠١].
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ [الأعراف:١٠٠] أمة محمد جاءت بعد هذه الأمم السابقة: «أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ» [الأعراف:١٠٠] أهلكناهم بذنوبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
3 / 11