المنكرات التي تعيشها المجتمعات
ثم إن المجتمعات في هذه السفينة: فيها منكر خفي.
وفيها منكر جلي.
فأما المنكرات الخفية:- فهي ما يفعله الناس سرًا، فلا يجوز لأحد أن يتلصص على أحد، بل لو علمتَ وأنت من سائر الناس رجلًا يستتر بمعصية من المعاصي فإن المشروع لك أن تناصحه ما استطعت في ذلك سرًا، إلا إذا جاهر أو جعل من بيته وكرًا ومركزًا لتصدير الفساد وتجميعه فحينئذ أصبح من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فالواجب إبلاغ المسئولين أو الهيئات عنه.
المنكرات الخفية شيء والمنكرات الظاهرة شيء.
أخطر ما يواجه السفينة المنكرات العلنية الظاهرة، إذ أن فعل أصحابها لها دون خوف من الله ولا حياء من خلقه وسكوت الباقين عنها أمر خطير، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] في الظلم الجلي، في المنكرات الواضحة، إلا إذا كان في الأمة من يناصح، فحينئذ يدفع الله البلاء عن الأمة بفضل منه ومِنَّة، ثم بغيرة وإنكار أهل الغيرة.
بوب الإمام مالك ﵀ في الموطأ: باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة، وذكر أثرًا عن عمر بن عبد العزيز ﵁، قال فيه: [إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عُمِل المنكر جهارًا استحقوا العقوبة كلهم] ويؤيد ذلك بل دليله حديث النبي ﷺ الذي هو عند الترمذي، والإمام أحمد، عن حذيفة بن اليمان قال ﷺ: (والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم).
أيها الأحبة: هذه من المصائب الخطيرة التي تنذر بهلاك السفينة حينما يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإننا في هذا المقام لنسجل بكل فخر واعتزاز أن بلادنا هذه هي البلاد الوحيدة التي بها جهاز مسئول رئيسه برتبة وزير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحاجتنا أن ندعمه وأن نؤيده بالتسديد والنصيحة والرأي والفكرة، ولا يعني ذلك حينما يوجد جهاز أن المنكر انتهى، لا.
يوجد جهاز فيه خير كثير، ويوجد منكر نخشى منه شرًا مستطيرًا، ولكن واجبنا أن نثني على هذا وأن ندعمه ونؤيده ونسدده، ونجتهد في مناصحة أهل المنكر حتى تسلم الأمة من غوائل هذه المنكرات وسوء مغبة أمورها.
أود أن أختصر هذه البقية حتى يكود باقي الوقت للأسئلة.
أيها الأحبة: إن التساهل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خطير جدًا جدًا، ويورث في الأمة البطالة والفساد والانحراف، وانتشار أمراض اجتماعية، وأحقاد وحسد وتباغض وتنابذ، وأمور لا تُحمد عاقبتها، لماذا؟ لأن الناس إذا تركوا إنكار المنكر، معنى ذلك أنهم قد رضوا بواقعهم، إذا رأيت من لا يرضى أن يُنْكَر منكرًا ولا يتكلم عن منكر؛ فاعلم أنه قد رضي بواقعه رضىً لا يَوَدُّ أن يغير من حاله، نعم كونك ترضى عن نفسك وترجو المزيد هذا شيء؛ لكن الرضا الذي ليس بعده شيء ولا تتوقع أنه يمكن أن تحقق شيئًا أفضل منه هذا هو الخطر.
إذًا: فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خطر، أو نذير شؤم أن يرضى الناس وأن يطمئنوا بما عندهم، وأن يسكتوا عن إنكار منكرات مختلفة.
أما بقية المسائل فلعلها لمحاضرة قادمة، ألا وهي فيما يتعلق بمراتب الإنكار، ووسائل الإنكار، ومقاصد الإنكار، وحقوق المنكرين، أو حقوق المحتسبة القائمين على مثل هذا، ومعوقات في هذا الطريق، لعل أن يكون نصيبها في محاضرة أخرى بإذن الله تعالى.
أسأل الله جل وعلا أن يجعل هذه الكلمات خالصة لوجهه، وأن ينفع بها قائلها وسامعها، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
21 / 15