284

شرح الرسالة الناصحة بالأدلة الواضحة

وقد روينا عن النبيء -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((أبشروا صعاليك المؤمنين بالفوز على الأغنياء يوم القيامة بمقدار خمسمائة عام، والأغنياء موقوفون يحاسبون على فضلات أموالهم، من أين اكتسبوها وفيم أنفقوها([4]))) .

ولا شك أنما نقص في الدنيا وزاد في الآخرة خير مما زاد في الدنيا، ونقص في الآخرة.

وقال النبيء -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((الحمد لله الذي جعل)

لي أصحابا أصبر نفسي في القعود معهم)) فأنزل الله -تعالى- في ذلك قرآنا: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}[الكهف:28] ، وهذا المغفل قلبه عيينة بن حصن؛ لأنه نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- عن مجالستهم لسوء حالهم، وقال له: (هذا مما ينفر عنك رؤساء العرب)، فنهاه الله تعالى عن مساعدته، وأخبره بأنه قد استحق الخذلان وسلب التوفيق لما تقدم من معصيته، فلذلك أغفل قلبه عقوبة له؛ لأن الله -تعالى- لا يغفل قلبه عن ذكره إبتداء؛ لأنه مريد للطاعة من جميع عباده كافرهم ومؤمنهم خلافا لما ذهبت إليه المجبرة.

[بيان الحكمة في تضييق وبسط الأرزاق]

وكان في مقدوره التوسيع عليهم، وبسط أرزاقهم، ولكن ضيق عليهم تعريضا لمنازل عالية، ودرج رفيعة، لم يكن يوصل إليها إلا بتلك المشاق من الفقر وغيره، فرضوا بها وصبروا عليها، وهذا باب كبير من أبواب الدين، فمن جهل حكمة الله في المخالفة فيه بين عباده في البسط والقبض فقد جهل أصلا كبيرا لا يسع أحدا جهله، ولا يتمحض الإيمان إلا بمعرفته، وكيف يسوغ إنكاره وآيات الكتاب الكريم مشحونة بذكره، وكذلك السنة الشريفة، وأقوال الأئمة مع إجماع الأمة وحجج العقول.

صفحة ٣٢٣