شرح نهج البلاغة
محقق
محمد عبد الكريم النمري
الناشر
دار الكتب العلمية
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٨ هجري
مكان النشر
بيروت
قوله : لولا حضور الحاضر ، يمكن أن يريد به لولا حضور البيعة ، فإنها بعد عقدها تتعين المحاماة عنها ، ويمكن أن يريد بالحاضر من حضره من الجيش الذي يستعين بهم على الحرب . والكظة بكسر الكاف : ما يعتري الإنسان من الثقل والكرب عند الإمتلاء من الطعام . والسغب : الجوع . وقولهم : قد ألقى فلان حبل فلان على غاربه ، أي تركه هملا يسرح حيث يشاء من غير وازع ولا مانع ؛ والفقهاء يذكرون هذه اللفظة في كنايات الطلاق . وعفطة عنز : ما تنثره من انفها ، عفطت تعفط بالكسر ؛ وأكثر ما يستعمل ذلك في النعجة . فأما العنز فالمستعمل الأشهر فيها النفطة بالنون ، ويقولون : ما له عافط ولا نافط ، أي نعجة ولا عنز ، فإن قيل : أيجوز أن يقال العفطة ههنا الحبقة ؟ فإن ذلك يقال في العنز خاصة ، عفطت تعفط . قيل : ذلك جائز ، إلا أن الأحسن والأليق بكلام أمير المؤمنين عليه السلام التفسير الأول ؛ فإن جلالته وسؤدده تقتضي أن يكون ذاك أراد لا الثاني . فإن صح أنه لا يقال في العطسة عفطة إلا للنعجة . قلنا : إنه استعمله في العنز مجازا .
يقول عليه السلام : لولا وجود من ينصرني - لا كما كانت الحال عليها أولا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني لم أكن حينئذ واجدا للناصر مع كوني مكلفا ألا أمكن الظالم من ظلمه - لتركت ، ولرفضتها الآن كما رفضتها قبل ، ولوجدتم هذه الدنيا عندي أهون من عطسة عنز ، وهذا إشارة إلى ما يقول أصحابنا من وجوب النهي عن المنكر عند التمكن .
الأصل : قالوا : وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته ، فناوله كتابا فأقبل ينظر فيه ، فلما فرغ من قراءته قال له ابن عباس رضي الله عنهما : يا أمير المؤمنين ، لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت ! فقال : هيهات يابن عباس ! تلك شقشقة هدرت ثم قرت . قال ابن عباس : فوالله ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألا يكون أمير المؤمنين بلغ منه حيث أراد .
قال الرضي : قوله عليه السلام في هذه الخطبة : كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم ، يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها ، وإن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها .
يقال : أشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه ، وشنقها أيضا ، ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق . وإنما قال عليه السلام : أشنق لها ، ولم يقل أشنقها لأنه جعله في مقابلة قوله : أسلس لها ، فكأنه قال : إن رفع لها رأسها بالزمام يعني أمسكه عليها . وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب على ناقة وقد شنق عليها فهي تقصع بجرتها .
صفحة ١٢٨