قوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم)
الدليل الثاني من الكتاب: قل الله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢]، وهذه الآية عظيمة جدًا، والاستدلال من الآية بوجوه عدة: الوجه الأول: أن تعريف إمام الكفر: هو الداعي لهذا الكفر، المناهض لدين الإسلام، ومن المناهضة: القتال، والسب والاستهزاء، ومنها الحط من قدر وجناب رسول الله ﷺ، فإمام الكفر ألحق به السيف؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢]، ولم يتكلم على الأتباع، وإنما تكلم على الرءوس والأئمة بقطع الرءوس، قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢] فاستحق القتل واستحق باللزوم أن يكون إمامًا للكفر من وجهين: الوجه الأول: نكث العهد.
والوجه الثاني: الطعن في الدين، وأوفر حظًا أن يكون طعنًا في الدين من يسب الذي أتى بهذا الدين، فسب الرسول ﷺ يعتبر طعنًا في الدين.
والوجه الثاني في الاستدلال بهذه الآية: قول الله تعالى: «وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ»، نكثوا الأيمان، وطعنوا في دينكم، فكأن الله جل في علاه عطف الطعن في الدين على النكوث في الأيمان، فهذا العطف كما يسميه علماؤنا من باب عطف الخاص على العام، وأهل البيان واللغة يسمونه: تأكيدًا، كما قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤] فكل هذه المعدودات متاع الحياة الدنيا، ولذا قال في آخر الآية: «ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» أيش المتاع الذي فصله؟ النساء، والبنين، والقناطير المقنطرة، والنساء، وكلها تعتبر فتنة من فتن الدنيا، وانظروا إلى كلام النبي ﷺ عندما قال: (الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعلمون، فاتقوا الدنيا) يعني: فتن الدنيا، فقال: (اتقوا الدنيا) عمومًا، ثم عطف الخاص على العام للتأكيد فقال: (واتقوا النساء) فكأنه قال: اتقوا النساء أولًا في عموم (اتقوا الدنيا)، ثم خصص، ولهذا قال العلماء: إن عطف الخاص على العام -لأن الخاص فرد من أفراد العموم- يدل على تأكيده، قال: (فاتقوا الدنيا) وكأن النبي ﷺ يقول: وأخص من فتن الدنيا النساء؛ لأنها آكد ما يكون من الفتن، ونفس هذا الأمر في الآية، فقد قال الله تعالى: «نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ»، ومن صور النكث: الزنا بالمسلمة، والتجسس على المسلمين، وإظهار عورات المسلمين للكفار، وإدخال الكفار في بلد المسلمين حتى يعبثوا بها، فكل ذلك نقض للعهد والأيمان، وأيضًا سب الرسول ﷺ، فكأن الله قال: «نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ» فهم يستحقون لقب أئمة الكفر، ويستحقون بهذا اللقب عقابًا وهو قطع الرءوس، فكأن الله يقول: «نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ» عمومًا ثم عطف الخاص المؤكد فقال: «وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ»، وأهم طعن في الدين وأوكد طعن في الدين هو: سب الرسول.
فهذا الوجه الثاني.
الوجه الثالث: قد يعترض معترض ويقول: لكن الحكم إذا تعلق بعلتين ذكرتا في الكتاب عطف أحدهما على الأخرى: «وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم»، فإن العطف يقتضي المغايرة، فنرد عليهم ونقول: وإن قلنا بقولكم إن حكم القتل مترتب على الاثنين فنحن نقول: إن نكث الأيمان والطعن في الدين بمجمله يكون مستوجبًا القتل؛ فإن كل واحدة منهما علة مؤثرة، فنكث الأيمان علة مؤثرة؛ لأنها خيانة لله جل وعلا، قال: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨]، فالخيانة علة مؤثرة، وأيضًا الطعن في الدين علة مؤثرة، ولو قلنا: إنه بالعلتين يستوجب القتل فإن الطعن في الدين أكبر محرض على القتل، ونبين هذا بالآية التالية أو الدليل الثالث الذي سنبينه بأنه دليل على قتل من سب الرسول ﷺ، وهو قول الله تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾ [التوبة:١٣]، فهذه الآية العظيمة تبين أن الطعن في الدين أقوى تأثيرًا من نكث الأيمان، قال الله تعالى: «وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ»، فجعل الله المحرض على قتالهم: أنهم هموا بإخراج الرسول، وما أخرجوه، بل هموا بإخراج الرسول، فمن باب أولى ومن القياس الجلي: أن سب الرسول يكون محرضًا على قتل مرتكبه.
فنحن نقول: إن كانت الآية تظهر لنا أن الهم بإخراج الرسول سبب في قتالهم وقتلهم فالطعن من باب أولى، ويكون هذا من باب القياس الجلي.
5 / 6