شرح كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية
الناشر
مدار الوطن للنشر
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٧ هجري
مكان النشر
الرياض
تصانيف
سلسلة مؤلفات فضيلة الشيخ (٦٨)
التعليق على
السياسة الشرعية
في إصلاح الراعي والرعية
لشيخ الإسلام ابن تيمية
تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه
وأسكنه فسيح جناته
لفضيلة الشيخ العلامة
محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له ولوالديه والمسلمين
طبع بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
دار الوطن للنشر
1
رفع
التعليق على
2
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
إلا لمن أراد طبعه لتوزيعه مجانًا بعد مراجعة
مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
رحمه الله تعالى
المملكة العربية السعودية
دار الوطن للنشر والتوزيع
هاتف: 4792042 (5 خطوط) فاكس: 4723941 - ص.ب: 3310
البريد الإلكتروني:
رفع
عبد الرحمن النجدي
أسكنه الله الفردوس
3
سلسلة مؤلفات فضيلة الشيخ (٦٨)
التعليق على
السياسة الشرعية
في إصلاح الراعي والرعية
لشيخ الإسلام ابن تيمية
تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه
وأسكنه فسيح جناته
لفضيلة الشيخ العلامة
محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له ولوالديه والمسلمين
طبع بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
دار الوطن للنشر
رفع
عبد الرحمن النجدي
أسكنه الله الفردوس
4
بسم الله الرحمن الرحيم
5
نبذة مختصرة عن
العلامة محمد بن صالح العثيمين
١٣٤٧ - ١٤٢١هـ
نسبه ومولده:
هو صاحب الفضيلة الشيخ العالم المحقق، الفقيه المفسّر، الورع الزاهد، محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن آل عثيمين من الوهبة من بني تميم.
ولد في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام ١٣٤٧ هـ في عنيزة - إحدى مدن القصيم - في المملكة العربية السعودية.
نشأته العلمية:
ألحقه والده - رحمه الله تعالى - ليتعلم القرآن الكريم عند جدّه من جهة أمه المعلّم عبد الرحمن بن سليمان الدامغ - رحمه الله -، ثمَّ تعلّم الكتابة، وشيئًا من الحساب، والنصوص الأدبية في مدرسة الأستاذ عبدالعزيز بن صالح الدامغ - حفظه الله -، وذلك قبل أن يلتحق بمدرسة المعلّم علي بن عبد الله الشحيتان - رحمه الله - حيث حفظ القرآن الكريم عنده عن ظهر قلب ولما يتجاوز الحادية عشرة من عمره بعد.
وبتوجيه من والده - رحمه الله - أقبل على طلب العلم الشرعي، وكان فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله -
6
ولما كثر الطلبة، وصارت المكتبة لا تكفيهم؛ بدأ فضيلة الشيخ - رحمه الله - يدرِّس في المسجد الجامع نفسه، واجتمع إليه الطلاب وتوافدوا من المملكة وغيرها حتى كانوا يبلغون المئات في بعض الدروس، وهؤلاء يدرسون دراسة تحصيل جاد، لا لمجرد الاستماع، وبقي على ذلك، إمامًا وخطيبًا ومدرسًا، حتى وفاته - رحمه الله تعالى -.
بقي الشيخ مدرِّسًا في المعهد العلمي من عام ١٣٧٤ هـ إلى عام ١٣٩٨ هـ عندما انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وظل أستاذًا فيها حتى وفاته - رحمه الله تعالى -.
وكان يدرِّس في المسجد الحرام والمسجد النبوي في مواسم الحج ورمضان والإجازات الصيفية منذ عام ١٤٠٢ هـ، حتى وفاته - رحمه الله تعالى -.
وللشيخ - رحمه الله - أسلوب تعليمي فريد في جودته ونجاحه، فهو يناقش طلابه ويتقبل أسئلتهم، ويُلقي الدروس والمحاضرات بهمَّة عالية ونفسٍ مطمئنة واثقة، مبتهجًا بنشره للعلم وتقريبه إلى الناس.
آثاره العلمية:
ظهرت جهوده العظيمة - رحمه الله تعالى - خلال أكثر من خمسين عامًا من العطاء والبذل في نشر العلم والتدريس والوعظ والإرشاد والتوجيه وإلقاء المحاضرات والدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى -.
ولقد اهتم بالتأليف وتحرير الفتاوى والأجوبة التي تميّزت بالتأصيل
7
العلمي الرصين، وصدرت له العشرات من الكتب والرسائل والمحاضرات والفتاوى والخطب واللقاءات والمقالات، كما صدر له آلاف الساعات الصوتية التي سجلت محاضراته وخطبه ولقاءاته وبرامجه الإذاعية ودروسه العلمية في تفسير القرآن الكريم والشروحات المتميزة للحديث الشريف والسيرة النبوية والمتون والمنظومات في العلوم الشرعية والنحوية.
وإنفاذًا للقواعد والضوابط والتوجيهات التي قررها فضيلته - رحمه الله تعالى - لنشر مؤلفاته، ورسائله، ودروسه، ومحاضراته، وخطبه، وفتاواه ولقاءاته، تقوم مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية - بعون الله وتوفيقه، بواجب المسؤولية لإخراج كافة آثاره العلمية والعناية بها.
وبناءً على توجيهاته - رحمه الله تعالى - أنشئ له موقع خاص على شبكة المعلومات الدولية من أجل تعميم الفائدة المرجوة - بعون الله تعالى - وتقديم جميع آثاره العلمية من المؤلفات والتسجيلات الصوتية.
أعماله وجهوده الأخرى:
إلى جانب تلك الجهود المثمرة في مجالات التدريس والتأليف والإمامة والخطابة والإفتاء والدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى - كان لفضيلة الشيخ أعمال كثيرة موفقة منها ما يلي:
عضوًا في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية من عام ١٤٠٧ هـ إلى وفاته.
عضوًا في المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في
8
العامين الدراسيين ١٣٩٨ - ١٤٠٠ هـ.
* عضوًا في مجلس كلية الشريعة وأصول الدين بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم ورئيسًا لقسم العقيدة فيها.
* وفي آخر فترة تدريسه بالمعهد العلمي شارك في عضوية لجنة الخطط والمناهج للمعاهد العلمية، وألّف عددًا من الكتب المقررة بها.
* عضوًا في لجنة التوعية في موسم الحج من عام ١٣٩٢ هـ إلى وفاته - رحمه الله تعالى - حيث كان يلقي دروسًا ومحاضرات في مكة والمشاعر، ويفتي في المسائل والأحكام الشرعية.
* ترأس جمعية تحفيظ القرآن الكريم الخيرية في عنيزة من تأسيسها عام ١٤٠٥ هـ إلى وفاته.
* ألقى محاضرات عديدة داخل المملكة العربية السعودية على فئات متنوعة من الناس، كما ألقى محاضرات عبر الهاتف على تجمعات ومراكز إسلامية في جهات مختلفة من العالم.
* من علماء المملكة الكبار الذين يجيبون على أسئلة المستفسرين حول أحكام الدين وأصوله عقيدة وشريعة، وذلك عبر البرامج الإذاعية من المملكة العربية السعودية وأشهرها برنامج "نور على الدرب".
* نذر نفسه للإجابة على أسئلة السائلين مهاتفه ومكاتبة ومشافهة.
* رتَّب لقاءات علمية مجدولة، أسبوعية وشهرية وسنوية.
* شارك في العديد من المؤتمرات التي عقدت في المملكة العربية السعودية.
9
* ولأنه يهتم بالسلوك التربوي والجانب الوعظي اعتنى بتوجيه الطلاب وإرشادهم إلى سلوك المنهج الجاد في طلب العلم وتحصيله، وعمل على استقطابهم والصبر على تعليمهم وتحمل أسئلتهم المتعددة، والاهتمام بأمورهم.
* وللشيخ - رحمه الله - أعمال عديدة في ميادين الخير وأبواب البرّ ومجالات الإحسان إلى الناس، والسعي في حوائجهم، وإسداء النصيحة لهم بصدق وإخلاص.
مكانته العلمية:
يُعَدُّ فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى - من الراسخين في العلم الذين وهبهم الله - بمنّه وكرمه - تأصيلاً ومَلَكة عظيمة في معرفة الدليل واتباعه واستنباط الأحكام والفوائد من الكتاب والسنّة، وسبر أغوار اللغة العربية معانِيَ وإعرابًا وبلاغة.
ولما تحلَّى به من صفات العلماء الجليلة وأخلاقهم الحميدة والجمع بين العلم والعمل أحبَّه الناس محبة عظيمة، وقدّره الجميع كل التقدير، ورزقه الله القبول لديهم واطمأنوا لاختياراته الفقهية، وأقبلوا على دروسه وفتاواه وآثاره العلمية، ينهلون من معين علمه ويستفيدون من نصحه ومواعظه.
وقد منح جائزة الملك فيصل - رحمه الله - العالمية لخدمة الإسلام عام ١٤١٤ هـ، وجاء في الحيثيات التي أبدتها لجنة الاختيار لمنحه الجائزة ما يلي:
أولاً: تحلِّيه بأخلاق العلماء الفاضلة التي من أبرزها الورع، ورحابة الصدر، وقول الحق، والعمل لمصلحة المسلمين، والنصح لخاصتهم وعامتهم.
1
ثانيًا: انتفاع الكثيرين بعلمه؛ تدريسًا وإفتاءً وتأليفًا.
ثالثًا: إلقاؤه المحاضرات العامة النافعة في مختلف مناطق المملكة.
رابعًا: مشاركته المفيدة في مؤتمرات إسلامية كثيرة.
خامسًا: اتباعه أسلوبًا متميزًا في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتقديمه مثلاً حيًّا لمنهج السلف الصالح؛ فكرًا وسلوكًا.
عقِبُه:
له خمسة من البنين، وثلاث من البنات، وبنوه هم: عبد الله، وعبد الرحمن، وإبراهيم، وعبد العزيز، وعبد الرحيم.
وفاته:
تُوفي - رحمه الله - في مدينة جدّة قبيل مغرب يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال عام ١٤٢١ هـ، وصُلِّي عليه في المسجد الحرام بعد صلاة عصر يوم الخميس، ثم شيّعته تلك الآلاف من المصلّين والحشود العظيمة في مشاهد مؤثرة، ودفن في مكة المكرمة.
وبعد صلاة الجمعة من اليوم التالي صُلِّي عليه صلاة الغائب في جميع مدن المملكة العربية السعودية.
رحم الله شيخنا رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته، ومَنَّ عليه بمغفرته ورضوانه، وجزاه عما قدّم للإسلام والمسلمين خيرًا.
اللجنة العلمية
في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
2
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإن من توفيق الله سبحانه وتعالى - وله الحمد والشكر - أن يسَّر لصاحب الفضيلة العلامة شيخنا محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - التعليق على كتاب : [السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية] لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية الحراني المتوفى عام ٧٢٨هـ، تغمَّده الله بواسع رحمته ورضوانه وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عما قدّمه للإسلام والمسلمين خير الجزاء.
وقد كان هذا التعليق المسجل صوتيًّا لفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - خلال الفترة من [١٤١٤/٦/٥ هـ - ١٤١٤/٩/٣ هـ] ضمن الدروس العلمية التي كان يعقدها في جامعه(٢) بمدينة عنيزة.
ولقد كان - رحمه الله تعالى - يؤكد على أهمية هذا الكتاب لشيخ
(١) لقد أُفردت في ترجمته - رحمه الله - كتبٌ ورسائل عديدة، وانظر (الذيل على طبقات الحنابلة) لابن رجب - رحمه الله -، و(تذكرة الحفاظ) للذهبي - رحمه الله، و(الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة) لابن حجر -رحمه الله -.
(٢) هو الجامع الكبير في مدينة عنيزة، وقد أمر صاحب السمو الملكي أمير منطقة القصيم بتسميته "جامع الشيخ ابن عثيمين"، وذلك بعد وفاة الشيخ عام ١٤٢١ هـ
3
الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ويوليه عناية كبيرة، ويقول: [ .... ينبغي لكل مسؤول في أي مصلحة أن يقرأه وأن يعتبر بما فيه لأنه مفيد جدًّا].
وسعيًا لتعميم النفع بهذه التعليقات العلمية، وإنفاذًا للقواعد والتوجيهات التي قررها فضيلة شيخنا - رحمه الله تعالى - لإخراج مؤلفاته ودروسه، عهدت [مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية] إلى الشيخ الدكتور سعد بن مطر العتيبي - أثابه الله - بالعمل لإعداد هذه الدروس للطباعة والنشر، حيث قد سبق له أن بادر بتفريغ محتواها وتقديمه لفضيلة الشيخ قبل وفاته - رحمه الله تعالى - عام ١٤٢١ هـ، ثم أعاد - جزاه الله خيرًا - مقابلة التفريغ على أصوله السمعية، وقام بإعداده للطباعة، وتخريج أحاديثه وآثاره.
وكان مع الطلاب بين يدي فضيلة الشيخ - أثناء الدرس - ست نسخ مطبوعة من متن الكتاب، وكان فضيلته يقارن بينها، وقد رجع الدكتور سعد العتيبي إلى مخطوطة متأخرة للكتاب بين يديه وذلك لزيادة البيان لا لغرض التحقيق وقسمت الصفحات إلى متن وتعليق وهامش ورمز للنسخة بحرف(خـ).
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، موافقًا لمرضاته، نافعًا لعباده، وأن يجزي فضيلة شيخنا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويسكنه فسيح جناته، ويضاعف له المثوبة والأجر، ويُعلي درجته في المهديين، إنه سميع قريب مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله خاتم النبيين وإمام المتقين، وسيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللجنة العلمية
في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
محرم ١٤٢٧ هـ
4
مدلول السياسة الشرعية في المؤلفات الشرعية بعامة، وفي كتاب (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) لأبي العباس ابن تيمية - رحمه الله - بخاصة
أولاً: مدلول (السياسة الشرعية):
السياسة كلمة عربية أصيلة.
ومن معانيها: التدبير والرعاية والتأديب والإصلاح.
وأما مصطلح السياسة الشرعية؛ فهو من المصطلحات التي لم تستعمل للدَّلالة على أمر واحد، بل مرّ بمدلولات عدّة؛ فلفظ (السياسة) قد استعمل للدلالة على أكثر من معنى.
وخلاصة النظر المستفاد من واقع التدوين السياسي الذي ألفه حَمَلَة العلوم الشرعية، ومن طبيعة المسائل التي أفردها بالتدوين فقهاء الشريعة؛ يتضح أنّ ثّمة منهجين في التدوين السياسي الشرعي:
أحدهما: منهج يغلب عليه الجانب الخُلقي والاجتماعي.
وثانيهما: منهج فقهي شرعي؛ ينير للحكّام أحكام التدابير، وآلياتها، وضوابط شرعيتها.
وباستقراء مؤلفات السياسة الشرعية ذات المنهج الفقهي الشرعي، يمكن تقسيمها على النحو التالي:
أ- الأحكام السلطانية الشاملة. (التي تشمل أحكام الإمامة العظمى وما يتفرع عنها من ولايات داخل دولة الإسلام أو خارجها).
السياسة عند مؤلفي هذا الفنّ لها إطلاقات ومدلولات، يمكن
5
حصرها في ثلاثة معان:
الأول: ولاية شؤون الرعية، وتدبيرها أمرًا ونهيًا، سواءً صدر ذلك من الإمام، أو ممن دونه من الأمراء والوزراء والقضاة، ونحوهم.
الثاني: أحكام الإمامة العظمى أو الخلافة العامة؛ من حيث أهلية الحاكم وما يجب عليه، وما يجب على الرعية نحوه، والأحكام التي منحها الشارع الحكيم للوالي ليتمكن من رعاية من تحته.
الثالث: التعزيرات الشرعية.
فالأحكام السلطانية الشاملة تعالج السياسة بهذا المفهوم الواسع.
ومن المؤلفات في هذا المعنى كتاب: الأحكام السلطانية والولايات الدينية، لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي؛ كتاب الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى الحنبلي.
ب- الأحكام السلطانية التي تحكم السياسة الداخلية
وقد يجيء فيها شيء من أحكام السياسة الخارجية، غير أنه يكون مقتضبًا.
ومن المؤلفات في هذا المعنى كتاب: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبدالسلام ابن تيمية؛ وهو الكتاب الذي عليه التعليق لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى -.
ولكن كتاب السياسة الشرعية لأبي العباس ابن تيمية - رحمه الله - لا ينحصر في هذا المدلول من جهة المضمون، كما سيتضح لاحقًا إن شاء الله تعالى.
6
ج- الأحكام المتعلقة بطرق القضاء، ووسائل تحقيق العدالة.
ويكاد ينصبّ الحديث فيها على الأحكام التي لم يرد بشأنها نصوص خاصّة، غيرَ أن البحث فيها لا ينحصر في ذلك.
ومن المؤلفات في هذا المعنى كتاب: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، لابن قيم الجوزية.
د- الأحكام الفقهية للمسائل التي لم يرد بشأنها نص تفصيلي خاص يمكن إدراجها تحته، أو التي من شأنها التغير والتبدل في المناط.
والأحكام في هذا القسم توجد ضمن الأقسام السابقة، إضافة إلى كتب الفقه العامة لشمول موضوعاتها وتناثر تلك الأحكام بينها؛ فكتاب: ((الخراج))، لأبي يوسف - مثلاً - من الكتب التي لا يجد الباحث عناء في استخراج كثير من هذه الأحكام منها.
ولعل من أشهر موضوعات السياسة الشرعية بهذا المعنى: أحكام التعزير، ومن المؤلفات المفردة فيه: السياسة الشرعية، لإبراهيم بن يحيى خليفة المشهور بـ ((دده أفندي)) (ت/ ٩٧٣)؛ وكذلك طرق القضاء، ومن المؤلفات فيها: الطرق الحكمية، لابن قيم الجوزية، المذكور آنفًا.
وقد ظهر في العصور المتأخرة الاعتناء بهذا القسم، وظهرت الدعوة بإفراد أحكامه، وجمع تطبيقاته من المدونات الفقهية، وما يُظن وجودها فيه من مصنفات، وصارت السياسة الشرعية في هذا العصر مقرّر تخصّصٍ في عدد من المدارس العلمية النظامية من كليات ومعاهد،
7
بل خصصت له أقسام علمية في عدد منها تحت مسميات مختلفة.
ومن خلال هذا التقسيم؛ يظهر للمتأمل: أنّ السياسة الشرعية - مصطلحًا - انحصرت في مفهومين:
الأول: عام. وهو مرادف للأحكام السلطانية.
الثاني: خاص. وهو ما اقتصر البحث فيه على المسائل التي تتغير أحكامها تبعاً لتغير مناط الحكم فيها، أو التي ورد فيها أحكام يخيّر بينها الإمام تبعًا للأصلح؛ بحيث لا يتعين أحدها على الدوام وهو الذي يحتاج إلى تعريف وبيان.
والسياسة الشرعية بهذا المفهوم الخاص هي: ((ما صدر عن أولي الأمر من أحكام وإجراءات منوطة بالمصلحة، فيما لم يرد بشأنه دليل خاصّ، متعيّن، دون مخالفة للشريعة)).
ولدقة هذا المدلول وأهميته أُبيّنُه؛ فجملة: ((ما صدر عن أولي الأمر)): تعريف للسياسة الشرعية ببيان جهة الاختصاص بالنظر في مسائلها، والحكم بها؛ وهم ((أولو الأمر)): العلماء والأمراء(١)،
(١) قال العلامة ابن القيم رحمه الله: ((... والتحقيق أنَّ الأمراء إنَّما يُطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم؛ فطاعتهم تبع لطاعة العلماء؛ فإنّ الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم؛ فكما أنّ طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول ﷺ، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء)). إعلام الموقعين عن رب العالمين: ١/ ١٠، ط دار الفكر؛ فذكرُهم هنا لبيان جانب السلطة في السياسة الشرعية، وإن بلغ الأمير درجة الاجتهاد الشرعي تبقى السياسة في جانب الشورى وما يتفرع عنها من أحكام.
8
وعليه؛ فالسياسة الشرعية ليست محصورة فيما يصدر من حاكم، بل تشمل بعض فتاوى المفتين من غير أهل الولاية المنصوبين، فإنها قد تكون من باب السياسة الشرعية، كما أشار إلى ذلك بعض العلماء (ينظر: المجموع شرح المهذب: ٨٦/١).
- وجملة: ((من أحكام وإجراءات)) تعريف للسياسة ببيان شمولها لناحيتين: نظرية، وتطبيقية. فالأولى: ما يلزم سياسةً من فعْل أو تَرْك، سواءً كانت في شكل أنظمة وقوانين، أو فتوى، أو غيرها؛ وهي المعبّر عنها بـ ((الأحكام)). والثانية: ما كان محل فعل وتنفيذ، وحركة وتدبير؛ وهي المعبّر عنها بـ ((الإجراءات)).
- وقوله: ((منوطة بالمصلحة))، بيان لارتباط السياسة الشرعية بمراعاة المصلحة، على اختلاف مستنداتها شرعًا؛ وأنَّ مجالها: الأحكام المُعَلَّلَة، ومن ثمَّ فلابد أن تصدر عن اجتهاد شرعي؛ وعليه فهو قيد يخرج به ما يلي:
(١) أحكام العبادات والمُقَدّرات؛ فليست مجالاً للسياسة الشرعية من حيث هي.
(٢) الأحكام والإجراءات الصادرة عن جهل وهوى؛ فليست من أحكام السياسة الشرعية؛ لكنها لو وافقت أحكام السياسة الشرعية جازت نسبتها إليها مع إثم مصدرها؛ لتصرفه عن جهل وهوى؛ كما قال ابن تيمية رحمه الله (مجموع الفتاوى: ٤٣/٢٩ وما بعدها).
- وقوله: ((فيما لم يرد بشأنه دليل خاص متعيّن))، قيد يُخرج الأحكام التي ورد بشأنها دليل خاص متعيّن؛ فكلمة ((دليل)) تشمل
9
النص، والإجماع، والقياس؛ فالدليل هنا يقابل ((الاستدلال بطرائق الاستنباط أو ما يعرف بالأدلة المختلف فيها))؛ وكلمة ((خاص)) أي: بحكم المسألة محل النظر؛ بأن يثبت في حكمها دليل جزئي تفصيلي؛ فما كان شأنه كذلك، فليس من مسائل السياسة الشرعية؛ وكلمة ((مُتَعَيِّن)) تُخرج المسائل الثابتة اللازمة، التي لا تتغير أحكامها بحال؛ إذ إنّها متعينة الحكم، ليس أمام أولي الأمر سوى تنفيذها. ومن ثم يدخل في السياسة الشرعية بهذا نوعان من المسائل هما:
(١) المسائل التي ثبت في حكمها أكثر من وجه، بدلیل خاص؛ بحيث يُخَيّر أولو الأمر بينها، تبعًا للأصلح؛ كالقتل والمن والفداء في مسألة الأسرى.
(٢) المسائل التي ورد في حكمها دليل خاص، لكنّ مناط الحكم فيها قد يتغيّر، ومن ثم تتغيّر الأحكام تبعًا لذلك؛ كالمسألة التي يجيء حكمها موافقًا لعرف موجود وقت تَنَزّل التّشريع، أو مرتبطًا بمصلحة مُعَيّنة؛ فيتغيّر العرف، أو تنتفي المصلحة؛ ومن ثم يتغيّر الحكم تبعًا لذلك، لا تغيّرًا في أصل التشريع.
- وقوله: ((دون مخالفة للشريعة)) قيد مهم، يخرج جميع أنواع السياسات المنافية للشريعة؛ فليست من السياسة الشرعية في شيء. وعبّرَ بنفي المخالفة ؛ لأنّه المعنى الصحيح لموافقة الشريعة؛ فإنّ ما جاءت به الشريعة، وما ثبت عدم مخالفته لها، هو في الحقيقة موافق لها: الأول من جهة النصوص، والثاني من جهة القواعد والأصول؛ فعدم مناقضة روح التشريع العامة والمقاصد
10
الأساسية، والأصول الكليّة - ولو لم يرد بها نص خاص بعينه - هو ضابط السياسة الشرعية، الذي يميزها عن غيرها من السياسات.
بهذا تمّ الحديث عن المعنى الاصطلاحي للسياسة الشرعية بمدلولَيْهَا، التي دعت إلى إيضاحه نظرة الاشتباه تجاهه، حتى لدى بعض من لهم إليها انتماء، فضلاً عن عامة طلاب العلم الشرعي، بَلْه دارسي القوانين الوضعية، ممن قلّت بضاعتهم في علوم الشريعة الأساسية.
ثانياً: كتاب (السياسة الشرعية):
سبب تأليفه وأهميته، ومدلول السياسة الشرعية فيه.
اهتم العلماء والباحثون من المسلمين والمستشرقين باختيارات شيخ الإسلام وإرثه العلمي، فأفردت فيه عشرات الكتب، من بينها عدد من الأطروحات العلمية الجامعية.
ومما يؤكّد العناية بمؤلفاته وانتشارها في الأرض، كثرة طبعات مؤلفاته رحمه الله، ومنها كتاب (السياسة الشرعية)، ذاته، فقد كان يُحضر في مجلس الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - حين شرحه له بضع طبعات.
سبب تأليف ابن تيمية لكتاب (السياسة الشرعية):
صنف الشيخ أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله - كتابه ((السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)) حين سأله الأمير الكبير قيس المنصوري - لمّا نزل غزّة - أن يعلق له شيئاً في سياسة الرعايا، وما ينبغي للوالي أن يسلكه معهم، فأجابه إلى ذلك، وعلّقه له في ليلة واحدة إلى الصباح، رحمه الله وجعل جنة الفردوس مثواه.
11