قوله:«كيف لي أن أعلم»: كأنه استبعد الإيمان بالقدر الذي هو من غيب الله تعالى، و ذلك أن الإيمان فرع العلم، إذ لا يتصور الإيمان بالشيء إلا بعد إدراكه جملة أو تفصيلا، فمن ثم قال له رسول الله: "تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك الخ". فإن قيل: مدح الله تعالى الذين يؤمنون بالغيب، و قد أوجب الإيمان به، و هذا ينافي ما ذكرتم؟ فالجواب: أن الواجب من الإيمان بالغيب إنما هو تصديق الرسل في ما أخبروا به عن الله عز و جل من صفاته و أحكامه في الدنيا و الآخرة، و في ما أخبروا به من الوقائع الماضية و المستقبلة،و هذا عين العم بالشيء، حيث أخذوه من لسان الصادق المصدوق، و من ذلك جوابه صلى الله عليه و سلم لعبادة في هذا الحديث، و المنافي للإيمان الجهل بنفس الشيء، فإن عبادة لم يعلم كيف يؤمن بنسبة الخير و الشر من الله، فسأل مسترشدا و لوح في السؤال بالاستبعاد، حتى يبين له في الجواب بما يدفع المستراب، {قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا}[التوبة:51]، و عند الترمذي من حديث عبد الله بن عباس من الكلمات التي علمه إياها رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال: "و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام و جفت الصحف"، قال الترمذي حسن صحيح وعند غير الترمذي: "واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، و ما أصابك لم يكن ليخطئك"، قال مسلم بن يسار: الكلام في القدر واديان عريضان، يهلك الناس فيهما لا يدرك عرضهما، فاعمل عمل رجل يعلم أنه لا ينجيه إلا عمله، و توكل توكل رجل يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله، و قال مطرف: ليس لأحد أن يصعد فوق بيت فيلقي نفسه، ثم يقول قدر لي، و لكن نتقي و نحذر، فإن أصابنا شيء، علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
صفحة ١٤٧