تسلية النبي ﷺ
أول درس من الدروس التربوية في قصة يوسف: أن القصة كاملة إنما هي تسلية لقلب المصطفى ﵊، لأن سورة يوسف مكية، نزلت على قلب رسول الله وهو في مكة لتثبت فؤاده ﷺ، وكأن الله جل وعلا أراد أن يقول للمشركين في مكة: إن الله هو الذي نجى يوسف ﵇ من غيابة الجب، ونجاه من الأسر، ومن العبودية والرق، ورباه في بيت الملك، ونجاه من الشهوات والفتن في بيت العزيز، ومكنه من الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، حيث جعله وزيرًا للاقتصاد في مصر، ثم رد الله عليه أهله بعد ذلك وجمع شمله بهم، إن الله الذي فعل ذلك قادر على أن ينجي محمدًا وأصحابه، وسوف يخرجهم من بين أظهركم، وسوف يعيده مرة أخرى إلى بلدكم ظاهرًا ظافرًا منتصرًا.
وقد خرج النبي ﷺ من مكة مطرودًا من بيته ومن ماله ومن أهله، وفي سنوات قليلة جدًا عاد النبي ﵊ إلى مكة مرة أخرى في أكثر من عشرة آلاف موحد؛ ليفتح مكة، وليرتقي بلال على سطح الكعبة، بلال ذلك العبد الأسود الذي أغاظ الكفار والمشركين حتى قال أحدهم: ألم يجد محمدًا إلا هذا الغراب الأسود ليرتقي على سطح الكعبة؟ يعود النبي ﵊ في هذه الجموع الموحدة ليأمر بلالًا أن يرتقي على سطح الكعبة؛ ليعلن -ولأول- مرة كلمة التوحيد وكلمة التكبير: الله أكبر، ويعلن الوحدانية لله: أشهد أن لا إله إلا الله، ويعلن النبوة لمحمد بن عبد الله: أشهد أن محمدًا رسول الله؛ لتبكي حجارة الكعبة فرحًا وطربًا، بعدما طهرها الحبيب من الشرك، وكان يشير بعود في يده إلى هذه الأصنام التي قبعت على سطح الكعبة وفي جدرانها، وكلما أشار النبي بهذا العود إلى صنم من هذه الأصنام التي كانت تعبد بالأمس القريب يخر هذا الصنم على وجهه، ويتلو الحبيب قول ربه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] .
من كان يصدق هذا؟ لقد كان رسول الله وحده في مكة يقول: لا إله إلا الله، ولم يجد أحدًا ينصره، ولقد خرج على قدميه المتعبتين الداميتين -بأبي هو وأمي- إلى الطائف، ومشى النبي ﷺ سبعين كيلو يا إخوان -أي: مائة وأربعين كيلو ذهابًا وإيابًا- مشى على رجليه، لم يركب سيارة مكيفة ولا طائرة، بل ولا حتى دابة، خرج الحبيب على قدميه وذهب إلى الطائف، والله! ما يريد مالًا، ووالله! ما يريد جاهًا، ووالله! ما يريد منصبًا، ووالله! ما يريد كرسيًا زائلًا، وإنما أراد أن ينتشلهم من أوحال الكفر والشرك إلى أنوار التوحيد والإيمان.
فماذا فعلوا به وهو حبيب الله وهو رسول الله وهو خليل الله وهو الذي كان يحمل في قلبه نور الله، وهو الذي ذهب إليهم يحمل لهم سعادة الدنيا والآخرة؟ رموه بالحجارة، وسلطوا عليه الصبيان والسفهاء، حتى نزف الدم الشريف منه، وأنزل الله إليه ملك الجبال في عودته -والحديث في البخاري - وقال له ملك الجبال: يا رسول الله! لقد أرسلني الله إليك فمرني بما شئت، لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت.
ووالله! لو كان رسول الله ممن ينتقم لذاته، وممن ينتقم لقطرات دم نزفت منه، وممن ينتقم لمكانته، وممن ينتقم لشخصيته؛ لأمر ملك الجبال أن يحطم تلك الرءوس، وأن يهدهد تلك الجماجم؛ لتسيل الدماء من الطائف فيراها أهل مكة بمكة، ولكنه نهر الرحمة وينبوع الحنان، إنه الرحمة المهداة والنعمة المسداة، الذي ما خرج إليهم إلا وهو يعلم يقينًا أن هذه الأصلاب تحمل ربيعًا قادمًا، وتحمل أملًا يشرق كالفجر، ويتحرك كالنسيم؛ ولذا قال الحبيب ﵌: (لا، إنما أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله ﷿ .
واليوم أرى كثيرًا من أحبابنا وإخواننا الدعاة قد يثأر لذاته، وقد يثأر لشخصه، وقد يغضب إذا ما تكلم أحد الطلاب أو أحد الدعاة في حقه، يأتي من منطلق أنه يريد أن يبين الحق فيثأر لذاته، وينتقم لشخصه من مدخل شيطاني لا يشعر به.
وأذكر نفسي وإياكم أيها الدعاة! وأيها الشباب! أنه يجب علينا أن نجعل أنفسنا وذواتنا في الوحل والتراب والطين نصرة لمنهج رب العالمين، فإذا كنت ممن يريد الحق فبين الحق دون تجريح، وإذا كنت ممن يريد الله ورسوله والدار الآخرة فما الداعي لأن تجرح أخاك، إذا كنت ممن يريد الله ورسوله والدار الآخرة فاحفظ لسانك وبين الحق دون أن تتعرض لتجريح أحد، أما إن كنت ممن يثأر لنفسه، وممن يثأر لذاته، وممن يثأر لشخصه، فقل ما شئت، واجرح من شئت، وعدِّل من شئت، وغدًا سنقف بين يدي الله جل وعلا؛ وسنندم على كل كلمة تلفظت بها الألسنة، وعلى كل حركة أدتها الجوارح ولم تكن لمرضاة الله، ولا في مرضاة الله، مصداقًا لقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، ومصداقًا لقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] .
رسول الله لم يثأر لذاته قط، ولم يثأر لنفسه قط، وما غضب لنفسه أبدًا كما قال أنس، ولكن كان إذا انتهكت حرمة من حرمات الله غضب غضبًا شديدًا، كما في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، وجاء أسامة بن زيد ﵁ الحب ابن الحب ليشفع فيها، ولكن لم يكن هناك محسوبية، ولم يكن في المجتمع النبوي الكريم الطاهر مجاملة لأحد على حساب المنهج أبدًا.
ولما سمع النبي من أسامة ذلك غضب، وقام على المنبر وقال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟! والذي نفس محمد بيده! -وفي لفظ- وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، وبين أن السبب الرئيسي من أسباب هلاك الأمم الماضية أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، فالشريف يبرأ لأن له الواسطة وله المحسوبية، لكن المظلوم الفقير لا يبرأ لأنه لا واسطة له، وهذا سبب من أسباب هلاك الأمم والدول، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إذًا: الدرس الأول من الدروس التربوية هو: أن القصة بكاملها تسلية وتثبيت لقلب النبي ﵊، وللقلة المؤمنة التي آمنت به واتبعته، وأن لله قادر على أن ينصرهم ويعزيهم، وقد تحقق وعد الله، فأعز الله النبي والصحابة، وعادوا بعد سنوات -لا تساوي في حساب الزمن شيئًا- فاتحين لمكة منتصرين موحدين لله رب العالمين.
5 / 10