في هذه الشئون يستطيع الصديق أن يقصر وأنت لا تشعر بتقصيره، وبما قصر ولم يؤمن هو بأنه مقصر ملوم؛ لأنه لا يؤمن بجنون العاطفة ونزوات الهوى ... فكيف يتقي مغبة التقصير ويصبر في سبيل ذلك على الجهد العسير أو اليسير؟
وإذا انكشف تقصيره فمن ذا الذي يلومه؟ لعله يلقى يومئذ من المعذرة والثناء أضعاف ما يخشاه من العذل والمذمة.
ذلك كله على أهون الفروض.
أما أصعب الفروض فهو أن تنقلب الرقابة إلى مطاردة، والمطاردة إلى اقتناص ... وليس أصعب الفروض دائما بأبعدها وأندرها في الوقوع!
حيرة جديدة «نجا» إليها همام من الحيرة الأولى ... والحيرة الأولى باقية كما كانت في موضعها القديم.
وإن هماما ليضرب أخماسه في أسداسه ويبرح في ضربه وإيجاعه إذا بالقدر يحل المشكلة العصية أسهل حل مستطاع، وإذا بالسماء تنفتح على حين غرة ويهبط منها الرقيب المنشود! - ماذا جاء بك يا أمين؟ - جاءت بي إجازة أيام. - ويحك! أنت طول عمرك تفصل من أعمالك بغير داع، أفما كان في وسعك هذه النوبة أن تنفصل فصلا نهائيا يا لئيم!
قال أمين وقد فوجئ: لماذا هذا الاستعجال على الفصل؟ ما الخبر؟
قال همام: الخبر أنك لازم لنا مدة طويلة ... أطول من أيام ... ولعلها أطول من أسابيع.
وسرد له المسألة بأقصى ما رآه صالحا من التفصيل والإسهاب، فلم يكذبه حدسه، وأسرع أمين بالإجابة والموافقة، وأوشك أن يسرع بالشكر والتهلل كأنه كان يتمنى ما اقترح عليه، ووعد أن يأتي بقصارى جهده في هذه الأيام القليلة ولا حاجة إلى الفصل المألوف!
لم يكن همام قد نسي أمينا في مشكلة الرقابة، وليس أمين بالصديق الذي ينسى في مشكلة من قبيلها؛ لأنه يؤمن بالواجبات الشعرية أشد من إيمانه بجميع الواجبات الإنسانية، وهو ذو أريحية ومروءة وصدق لسان وصراحة شيمة، ويحسب أن خيانة الصديق في العشق لا تقل عن الخيانة في أقدس الحرمات، وبينه وبين المطاردة والاقتناص هذا الخلق المستقيم الجميل وشيء آخر غير مستقيم ولا جميل! وهو أسنان عوجاء مثرمة ووجه كثير التجاعيد والغضون ... فإلى أن يمسخ طبعه وتنصلح أسنانه ووجهه هو ولا ريب وفاق الشرائط من وجوه كثيرة، وأحق من الصحب قاطبة بالتذكر والاعتماد.
صفحة غير معروفة