وهذه هي الحيرة، فقولي يا حكمة الحكماء ويا هداية الهداة، وقولوا لي يا صيارفة هذه الجواهر ويا دهاقين هذه المعادن، ويا من يستطيعون أن يضعوا المنظار لحظة واحدة وراء هذه العين اللامعة فيلمحوا هنالك الفارق الهائل بين ما يباع بدرهم وما ليس يباع بكنوز الأرض وذخائر البحار.
لا، لن أبيعها إلا بدرهم، فإن كانت الأخرى فلا بيع ولا شراء :
لما غلا ثمني عدمت المشتري
نعم، وعدمت البائع أيضا ...
هذه هي الحيرة فكيف الخروج منها؟ لا حاجة إلى أكثر من نظرة واحدة لتسويم هذه الجوهرة، فمن ذاك الذي تتاح له تلك النظرة؟
كان همام في تلك الأيام يقرأ رواية «سيدة الأكاذيب» للكاتب الفرنسي الكبير بول بوربيه، ولعله قرأها لعنوانها وما يرجو أن يطلع عليه من أكاذيب سيدتها ... وفي الرواية امرأة لعوب من نساء الأسر المترفات، وزوج غافل وعاشق كهل يبذل المال والحلي والهدايا، وعاشق ناشئ يبذل شبابه وجماله وطرافة هواه، وكل من هؤلاء راض بنصيبه إلا العاشق الفتى الذي يتنطس ويتوجس ويلح في كشف الأسرار فيعمد إلى الرقابة ولا يلبث أن يخلص إلى الحقيقة.
فما الرأي إذن في الرقابة؟
إن نظرة من رقيب أمين لتغني عن كل صيارفة الجواهر الذين يسومون معادن الوفاء وليس لهم معيار واحد يبطل فيه الخلاف ... فإن لم يكن من الرقابة فلتكن الرقابة، ولكل شيء من جنسه آفة!
وأثلجت تلك الخاطرة صدر همام وإن كانت قد غضت من سروره باللحظة التي هو فيها، ومن أين يخلص السرور وبينك وبينه رقيب؟
تتابعت الخواطر عدوا دراكا في رأس همام وهو يتأمل الفتنة الماثلة أمام المرآة ويتنامى شغفه بها كلما تمادى في تفتيشها واستقصائها، ولم تستغرق كل هاتيك الخواطر منه إلا ريثما فرغت «سارة» من تسريح شعرها وتجفيف إهابها؛ لأنه كان يستعرض هاتيك الخواطر كما يستعرض صفحة مفتوحة بين يديه يحيط بها في نظرة واحدة، ولم تكن خواطره لتشغله عن كلمة من هنا وتعليق من هناك جوابا لما كانت تعابثه به من الملاحظات والمناوشات، غير أنها فطنت لما يجول في خلده، وأدركت أنه ليس معها بجميع قلبه ولسانه، وأشفقت أن يستطرد ويستطرد فتتسع المسافة بينهما، فاستدارت إليه من المرآة متفترة متكسرة، ومدت جيدها وثنت أعطافها وقالت: أراني متعبة، أرى أن أذهب أو أريد أن أنام. •••
صفحة غير معروفة