سكب الأدب على لامية العرب
ففارقت أسباب الهدى وتبعته ... الىي شيء ويب غيك دلكا على مذهب لم تلف اما ولا أبا ... عليه ولم تعرف عليه أخا لكا
فلما أرسل هذه الأبيات المتقدمة إلى أخيه أخبر بها رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فلما سمع سقاك بها المأمون؛ قال: ((مأمون والله)) ولما سمع قوله: على مذهب لم تلف اما ولا أبا قال ((أجل لم يلف أباه [132ظ] ولا أمه)) ثم أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) قال لأصحابه (رضي الله عنهم) ((من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله)) فكتب إليه أخوه بجير هذه الأبيات (1): [من الطويل]
فمن مبلغ كعبا فهل لك في اللنني ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم
الى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من الله الا طاهر القلب مسلم
وكتب بعد هذه الأبيات: أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) قد أهدر دمه، وأنه قد قتل رجلا بمكة كان يهجوه، وان من بقي من شعراء قريش كابن الزبعري وهبيرة بن وهب [أي] قد هربوا (2) الى كل ناحية، وما أحسبك ناجيا، فإن كان ذلك في نفسك حاجة، فطر إليه، فإنه يقبل من أتاه تائبا ولا يطالبه بما تقدم الإسلام.
فلما بلغه كتاب أخيه أتى الى قبيلة مزينة لتجيره من رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فأبت ذلك؛ فضاقت عليه الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من هو عدوه فقال: هو مقتول؛ فنظم هذه القصيدة يمدح رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ويذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به، خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل من جهينة بينهما تعارف فأتى به المسجد، ثم أشار الى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بالصفة التي وصفه [به] الناس، وكان مجلس رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) من أصحابه مثل موضع المائدة من القوم، يتحلقون عليه حلقة [133و] ثم حلقة، فيقبل تارة على هؤلاء فيكلمهم، وأخرى على هؤلاء ويحدثهم، فقام إليه حتى جلس بين يديه، فوضع يده في يده، ثم قال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأ من منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه أن أنا جئتك به؟ قال: نعم، قال هو يا رسول الله، وأنشد القصيدة، ويروى (2) انه لما وصل الى البيت، وهو قوله: ... [من البسيط]
إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الهند مسلول
خلع (- صلى الله عليه وسلم -) بردته الشريفة عليه؛ فسميت هذه القصيدة: بالبردة وقال له: قل من سيوف الله مسلول (4).
صفحة ٣٦٤