إن الطبيعة لم تخدعهم بهذه العناوين التي اتخذتها أذواقهم ولم تدخلها في تحليل المعامل، ولا أدخلتها في مناقشة الأفكار، ولا هي مثلت لهم الحاجة البدنية بمصطلحات الكيمياء، ولكنها ترجمت لهم نفع الغذاء بهذه الطعوم التي تسيغها الأذواق، ولولا هذه الطعوم لما كان الغذاء.
وهي لم تخدعهم كذلك؛ لأنها ساقتهم إلى حفظ نوعهم بلذة جسدية أو بعاطفة من عواطف الشوق والحنان، ولكنها تتكلم أكثر من لغة واحدة حين تعبر عن حقائقها، وكلها بعد ذلك صدق حاصل على اختلاف العبارات.
فالروحانيون لا يضللون العقول، والماديون لا يعرفون معنى التضليل إذا كانوا يعبرون عن حقائق الحياة بلغة واحدة لا تقبل التنويع، فمادتهم التي يجمعون فيها الصدق كله أشد تضليلا للأحياء من كل دعوة روحانية، إذا جعلنا اختلاف التعبير عن قوى الحياة من قبيل التضليل، أو جعلنا اختلاف الشيء في الحس، وفي وظائف البنية الحية، آية على التناقض والبطلان.
هكذا تعبر الطبيعة عن غذاء الأبدان.
فلماذا نكذبها إذا هي عبرت بمثل هذا التعبير عن غذاء الأرواح؟
إننا إذن لا نصدق مع الروحانيين ولا نصدق مع الماديين!
ولك أن تكون ماديا، أو واقعيا، أو حسيا، في مناقشة الألفاظ التي قالها غاندي والآراء التي بشر بها كما تشاء، ولكنك لن تكون ماديا، ولا واقعيا ولا حسيا إذا أنكرت الواقع المحسوس.
والواقع المحسوس أن غاندي قد حفز روحانية الهند إلى عمل من أعظم أعمالها في تاريخها الطويل، وأنه قد أتى بخارقة لم يأت نظراؤه بأعظم منها في جميع أطوار التاريخ.
عقيدته
يسبق إلى الظن - حين يذكر غاندي زعيم الهند - أنه يدين بالبرهمية: ديانة الهند الكبرى، وأقدم عقائدها المعروفة.
صفحة غير معروفة