33 - على قوة الحظ (أي على عون الله الخارجي) بل يتوقفان أساسا على قدرته الداخلية (أي على عون الله الداخلي) لأنه يستطيع أن يحفظ حياته على أفضل نحو إذا كان يقظا نشطا وعلى قدر كبير من الدراية. وأخيرا يجب ألا ننسى هذا النص الذي كتبه القديس بولس في الإصحاح الأول، الآية 20 من الرسالة إلى أهالي رومية حيث يقول حسب نسخة تريمليوس السريانية:
34 «لأن غير منظوراته قد أبصرت منذ خلق العالم إذ أدركت بالميرءات، وكذلك قدرته الأزلية وألوهيته حتى أنهم لا معذرة لهم.» وعلى هذا النحو يبين بقدر لا بأس به من الوضوح قدرة الله وألوهيته الأزلية اللتين تسمحان لنا بأن نعرف ونستنبط أي الأشياء ينبغي أن نبحث عنها وأيها ينبغي أن نتركها. وينتهي من ذلك إلى أن الجميع لا عذر لهم وأنه لا يمكنهم الاعتذار بالجهل. وما كان الأمر ليصبح على هذا النحو لو كان يتحدث عن النور الذي يفوق الطبيعة، وعن الآلام التي عاناها المسيح بجسده وعن البعث ... إلخ. ومن هنا، فقد أضاف بعد ذلك في الآية24: «فلذلك أسلمهم الله في شهوات قلوبهم إلى النجاسة ... إلخ.» حتى نهاية الإصحاح، وهكذا يتحدث عن رذائل الجهل ووصفها بعذاب الجهل، وهذا ما يتفق تماما مع مثل سليمان (16: 22) المذكور من قبل «وتأديب السفهاء السفه.» فلا عجب إذن، إذا قال بولس: من يفعل الشر لا عذر له؛ ذلك لأن كلا يحصد ما زرع، والشر يولد الشر ضرورة إن لم يتم تقويمه، والخير يولد الخير إن صاحبه ثبات النفس. وهكذا يقر الكتاب إقرارا تاما بالنور الفطري والقانون الإلهي الطبيعي، وبذلك أكون قد انتهيت من معالجة المسائل التي اعتزمت بحثها في هذا الفصل.
الفصل الخامس
السبب في وضع الشعائر، والإيمان بالقصص
السبب في وضع الشعائر، والإيمان بالقصص، لأي سبب، ولأي نوع من الناس كان ضروريا. ***
بينا في الفصل السابق أن القانون الإلهي الذي يعطي الناس السعادة الحقة ويعلمهم الحياة الحقيقية مشترك بين الناس جميعا، بل إننا استنبطناه من الطبيعة الإنسانية، بحيث يجب علينا أن نعتبره فطريا في النفس الإنسانية، وكأنه مسطور فيها. وعلى العكس من ذلك وضعت الطقوس الدينية، أو على الأقل طقوس العهد القديم للعبرانيين وحدهم، وتكيفت حسب دولتهم بحيث لم يكن من الممكن إقامة معظم هذه الشعائر إلا بوساطة الجماعة بأسرها، لا الأفراد كل على حدة. فلا شك إذن أنه لم تكن لها صلة بالقانون الإلهي، وإنها لا تسهم بشيء في السعادة والفضيلة، بل تتعلق باختيار العبرانيين فحسب أي (طبقا لما بيناه في الفصل الثالث) بالنعيم الدنيوي للأجساد وبسلامة الدولة
1
وحدهما؛ إذ لا تكون لها أية فائدة إلا خلال وجود الدولة. وإذن، فإذا كانت هذه الشعائر قد أرجعت في العهد القديم، إلى قانون الله، فما ذلك إلا لأنها وضعت بفضل الوحي أو صدرت عن مبادئ موحى بها. ومع ذلك، فلما كان الاستدلال مهما بلغت قوته لا قيمة له عند اللاهوتيين العاديين، فإنه يحسن أن نبرهن، عن طريق سلطة الكتاب، على ما قلناه الآن.
2
وبعد ذلك سنبين، زيادة منا في الإيضاح، السبب الذي كانت الشعائر من أجله عاملا على المحافظة على دولة اليهود والإبقاء عليها، وكيف تم ذلك. إن أوضح دعوة في سفر أشعيا هي دعوته للتوحيد بين القانون الإلهي بالمعنى المطلق لهذه الكلمة والقانون الشامل الذي يكون قاعدة صحيحة للحياة، لا بين القانون الإلهي والشعائر. ففي الإصحاح الأول، الآية 10
صفحة غير معروفة