بل كان ناطقا بلسان الله؛ فقد أوحى الله بوساطة روح المسيح (كما بينا ذلك في الفصل الأول) بعض الحقائق للجنس البشري، كما أوحى من قبل بوساطة الملائكة، أي بوساطة صوت مخلوق وبوساطة رؤى ... إلخ. ولذلك، فإن القول بأن الله قد كيف وحيه وفقا لآراء المسيح لا يقل مخالفة للعقل عن افتراض أن الله قد كيف وحيه من قبل حسب آراء الملائكة؛ أي حسب صوت مخلوق ورؤى حتى يبلغ الرسل الحقائق المراد كشفها، وهو افتراض في غاية التناقض، لا سيما أن المسيح لم يرسل لتعليم اليهود فقط بل أرسل للجنس البشري قاطبة، بحيث لا يكفي أن تتكيف روحه حسب معتقدات اليهود وحدهم بل يجب أن تتكيف حسب المعتقدات المشتركة بين الجنس البشري كله، وحسب التعاليم الشاملة أي المتعلقة بالتصورات العامة والأفكار الصحيحة. فمن المؤكد أن الله كشف عن نفسه للمسيح أو لروح المسيح مباشرة دون توسط كلمات أو صور، كما هو الحال في وحي الأنبياء، ومن ذلك نستنتج ضرورة أن المسيح قد أدرك بالفعل حقائق الوحي، أي إنه عرفها عقلا، لأن الشيء يقال عنه إنه يعرف عقلا عندما يدرك بالفكر الخالص دون كلمات أو صور؛ وعلى ذلك فقد أدرك المسيح حقائق الوحي حقيقة وعرفها معرفة كافية. وعلى ذلك، فإذا كان قد فرضها وكأنها قوانين، فإنه ما فعل ذلك إلا لجهل الشعب وعناده، وهو في ذلك قد قام بما يقوم به الله، فتكيف طبقا لروح الشعب. ومع أن المسيح كان أكثر وضوحا إلى حد ما من الأنبياء السابقين، إلا أنه بشر بحقائق الوحي بالطريقة الغامضة نفسها، وفي كثير من الأحيان كان يستعمل الأمثلة، ولا سيما في حديثه مع من لم يعطوا به معرفة ملكوت السموات (انظر: متى، 13: 10 ... إلخ).
19
وليس هناك أدنى شك في أنه قد بشر من أعطوا معرفة أسرار السموات بهذه الحقائق نفسها باعتبارها حقائق أزلية، لا مجموعة من القوانين، وبذلك حررهم من عبودية القانون، وإن كان مع ذلك قد ثبته وجعله راسخا في أعماق القلوب إلى الأبد. وهذا ما أشار إليه بولس - فيما يبدو - في بعض النصوص من رسالته إلى أهل رومية (7: 6؛ 3: 28)،
20
ومع ذلك، فإنه هو أيضا لم يشأ أن يتحدث بصراحة
21
بل كان يتحدث كما يتحدث الناس عادة، كما يقول في الإصحاح 3، الآية 5، وفي الإصحاح 6، الآية 19 من الرسالة نفسها،
22
وهذا ما نلحظه بوضوح عندما نجده يسمي الله بالعادل. ولا شك أيضا أنه نظرا إلى ضعف الجسد وصف الله وصفا خياليا بالرحمة والفضل والغضب ... إلخ، وكيف كلماته حسب فهم العامة، أي أهل الجسد (كما يقول في الرسالة الأولى إلى أهالي كورنثة، 3: 1-2)،
23
صفحة غير معروفة