خلال كل تلك الفترة، كان دايسون يتفاعل مع فاينمان، متعلما منه على السبورة ما أنجزه بالضبط. وأعطاه هذا فرصة فريدة من نوعها تقريبا لفهم أسلوب فاينمان في وقت لم يكن فاينمان قد نشر فيه بحثه بعد، ولا حتى قدم حلقة دراسية متماسكة حول الموضوع.
ولو كان هناك شخص أصبح دايسون يكن له الإعجاب مثلما كان يكنه لبيته أو ربما أكثر، فإن هذا الشخص هو فاينمان، الذي كانت عبقريته الممزوجة بالحماس والجاذبية والجرأة تأسر لب العالم الشاب. وسرعان ما أدرك دايسون أن الأمر لم يكن يقتصر على قوة النهج الزمكاني الذي ابتكره فاينمان وحسب، وإنما أنه لو كان صحيحا، فلا بد أن يكون ممكنا الكشف عن علاقة بين هذا النهج وبين الأساليب التي ابتكرها شفينجر وتوموناجا.
في الوقت نفسه، كان دايسون قد حقق قدرا من الإبهار للمشرف على أبحاثه إلى حد جعل بيته يقترح عليه أن يمضي العام الثاني من دراسة زمالة خريجي الكومنولث بمعهد الدراسة المتقدمة، مع أوبنهايمر. وخلال الصيف، وقبل انتقاله إلى نيو جيرسي، صاحب دايسون فاينمان في تلك الرحلة المصيرية عبر البلاد بالسيارة إلى لوس ألاموس، ثم التحق بمدرسة صيفية في ميشيجن، ثم قام برحلة أخرى عبر البلاد، هذه المرة بحافلة «جراي هاوند»، إلى بيركلي ثم العودة. وخلال رحلة العودة من كاليفورنيا، وبعد سفر بالحافلة دام ثمانيا وأربعين ساعة على نحو يعتبره كثيرون مجهدا للغاية للعقل، ركز دايسون تفكيره بكثافة على الفيزياء، وتمكن من الانتهاء ذهنيا من السمات الأساسية لبرهانه على أن أسلوب فاينمان وأسلوب شفينجر في الديناميكا الكهربائية الكمية متكافئان في حقيقة الأمر. وتمكن أيضا من صهرهما معا «في شكل جديد لنظرية شفينجر يجمع بين مزايا كليهما»، على حد قوله في أحد خطاباته.
بحلول شهر أكتوبر من عام 1948، وقبل أن يتم فاينمان بحثه الطويل في الديناميكا الكهربائية الكمية، تقدم دايسون ببحثه الشهير بعنوان «نظريات الإشعاع لتوموناجا وشفينجر وفاينمان»، مبرهنا على تكافئها. وكان التأثير النفسي لهذا البحث بالغا. لقد كان الفيزيائيون يثقون في شفينجر، غير أن أساليبه كانت معقدة إلى حد يفزعهم ويثبط هممهم. وعندما أثبت دايسون أن أسلوب فاينمان على نفس القدر من الجدارة والاستحقاق والاتساق وأنه يقدم منهجا منظما أكثر سهولة بكثير لحساب تصويبات الكم الأعلى رتبة، كشف بذلك لبقية أعضاء مجتمع الفيزياء عن أداة جديدة وفعالة يمكن للجميع البدء في استخدامها.
أتبع دايسون بحثه عن «الإشعاع» ببحث إبداعي أصيل آخر في أوائل عام 1949. فبعد أن ابتكر الوسائل التي تتيح تكييف صياغة معادلات شفينجر مع أساليب فاينمان بحيث يمكن حساب الإسهامات ذات الرتبة الأعلى شديدة التعقيد في النظرية، أخذ دايسون على عاتقه مهمة إثبات أن المسألة برمتها منطقية، على نحو دقيق، أو على الأقل دقيق بقدر كاف لإرضاء الفيزيائيين! وأوضح أنه بمجرد حل مشكلات قيم ما لانهاية في أبسط حسابات الطاقة الذاتية واستقطاب الفراغ، فعندئذ لن تكون هناك قيم لانهائية أخرى تؤدي إلى كافة حسابات الرتبة الأعلى. أتم هذا العمل برهانا على ما صار الآن يعرف ب «قابلية إعادة التطبيع» للنظرية، وفيها يمكن دمج جميع قيم ما لانهاية - ما إن تتحقق السيطرة عليها أولا بواسطة حيل رياضية من النوع الذي أتاحه أسلوب فاينمان بكل سهولة - ضمن «الكتلة المجردة» و«الشحنة» غير القابلتين للقياس في النظرية. وعندما يعبر عن كل شيء في صورة كتل وشحنات مقاسة فيزيائيا أعيد تطبيعها، تصبح كل التنبؤات ذات قيم محددة ومعقولة.
مع اكتمال بحثي دايسون، أمكن بحق ترويض الديناميكا الكهربائية الكمية. وأصبح بإمكانها الآن أن ترتقي إلى مرتبة «النظرية» وفق أفضل مفهوم علمي بمعنى كونها صياغة متسقة منطقيا حققت تنبؤات فريدة يمكن مقارنتها - وتمت بالفعل مقارنتها - بنجاح بالنتائج التجريبية.
ومن المثير أن بحث دايسون الأصلي الذي يبرهن على تكافؤ صور شفينجر وصور فاينمان لم يحتو إلا على مخطط زمكاني واحد فقط. غير أنه لما كانت بحوث فاينمان الأصلية الأولى حول النتائج التي توصل إليها لم تكن قد ظهرت بعد، فإن أول «مخطط لفاينمان» ظهر مطبوعا كان في الحقيقة من عمل دايسون!
من العسير أن نوفي بحث دايسون حقه من حيث الأهمية والتأثير. لقد أصبح دايسون على الفور أحد مشاهير مجتمع الفيزياء، ولكن الأهم من ذلك أن بحثه جعل آخرين، ممن لم يتمكنوا من فهم أسلوب فاينمان البياني أو كانوا مرتابين فيه، يتعلمون الصيغة ويبدءون في تبنيها. وفي حين أن عرض فاينمان الخاص لأعماله كان سيظهر فيما بعد في بحثين مبدعين أصليين كتبهما عامي 1949 و1950، فإن بحثي دايسون هما اللذان فتحا النافذة التي من خلالها تمكنت أفكار فاينمان من تغيير الطريقة التي كان علماء الفيزياء يفكرون بها في الفيزياء الأساسية.
عمل دايسون جاهدا، وربما أكثر من فاينمان نفسه، لإقناع بقية العالم بجدوى أفكار فاينمان. والحق أن كثيرا من استخدام علماء الفيزياء اللاحق لمخططات فاينمان خلال العقد التالي لظهور أعماله يمكن أن نعزوه في الأساس إلى تأثير دايسون، الذي صار، من خلال اتصاله الشخصي بفاينمان، حواريه الأول.
عكست أبحاث دايسون في الأساس رؤيته الخاصة التي مفادها أنه على الرغم من أن أساليب فاينمان وشفينجر وتوموناجا كانت متكافئة، فإن أسلوب فاينمان كان أكثر تنويرا ونفعا لأولئك الذين يرغبون في استخدام الديناميكا الكهربائية الكمية في حل مسائل الفيزياء.
صفحة غير معروفة