ووجه المناقضة ، أنه حصر كلام الله هنا على كتابه ، وهو جنس الكتب المنزلة لأن الإضافة من صيغ العموم ، وآلة الحصر هنا ضمير الفصل ، وكان شبهة القائلين بقدم القرآن إنما إثبات الكلام الذاتي وعدم الفرق بينه وبين الكلام الفعلي ، وحيث قالوا القرآن كلام الله وكلامه تعالى قديم .
وجوابه ، إنا لا نسلم أن جميع كلامه قديم بل القديم هو الكلام الذاتي ، ومعناه نفي الخرس عنه تعالى ، وبعض أئمتنا كأبي ساكن في عقيدته وابن النظر هنا وغيرهما قد أنكروا الكلام الذاتي وحصروه في الكلام الفعلي واكتفوا في نفي الخرس عنه تعالى بالإتصاف بالقدرة ، فالقول بقدم القرآن ممن أنكر الكلام الذاتي رأسا مما لا يليق بأدنى جاهل فضلا من أن ينسب إلى مثل ذلك الإمام ومنها في رائيته :
قال فالجعل هو الخلق أم ... الجعل شيء غيره فيما ذكر
قلت جعل الله خلق كله ... ومن الناس مقال مشتهر
ووجه المناقضة هنا أنه جعل جعل الله كله خلقا كما هو الحق .
وقال في النونية :
إن كان من إنا جعلناه فما ... ... في الجعل إن أنصفت من تبيان
قد قال إبراهيم رب اجعل لنا ... ... بلدا بفضلك أفضل البلدان
وكذاك فاجعلي مقيما مخلصا ... ... حق الصلاة لوجهك المنان
وجوابه : أن إبراهيم عليه السلام سأل أن تصير تلك البلد آمنا ، وأن يصيره مخلصا ، وذلك التصيير هو عين الخلق لأنه إيجاد بعد عدم ، وهذا الجواب بعينه هو الذي أجاب به الإمام ابن النظر "رحمه الله" في تلك الرائية من اعترض عليه في قاعدته أن جعل الله كله خلق حيث قال:
قال قال الله لم أجعل لكم ... من بحير ووصيل في البقر
قلت قال الله لم أجعل لكم ... فاعلموا البحير دينا يحتجر
وبيانه أن المعترض اعترض على ابن النظر "رحمه الله" في تلك القاعدة بقوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة ... الآية } قائلا : أن البحيرة قد خلقها الله تعالى فما هذا الجعل هنا ؟
صفحة ١٦٢