يبدو أنه رغم ما نسمع عن قيود وأعراف عربية، وضعها المجتمع على علاقة الشاب بالفتاة، فإننا نسمع أيضا مع نشوء الطبقة الثرية عن مجالس سمر تعقد في أفنية الدور، ويجتمع فيها الشباب والشابات حيث تضرب الدفوف ويرقص الحداءون ويلقى الشعر، خاصة في آخر سنوات الجاهلية الأخيرة.
وكان الشاب منذ بلوغه يبدأ التشبيب بالنساء ويلاحقهن، وكان ذلك إحدى علامات الرجولة والفخر، ولأن الشعر كان أغنية العربي وفصاحته، فقد كان كل شاعر يبدأ شعره بالغزل، إلا أن الشعر النسوي كان يخلو تقريبا من ذلك الغزل، حيث كان بوح المرأة بمشاعرها لونا من خلق الحياء التقليدي بين العرب.
اختيار الزوج
وإذا تأخرت خطبة الفتاة، التي عادة ما كانت تتزوج في سن مبكرة (حوالي الثانية عشرة)، فإنها كانت تلجأ إلى طلب الرجل، فتنشر شعرها، تكحل واحدة من عينيها، وتسير تحجل في الشارع ليلا تنادي: يا لكاح، أبغي النكاح، قبل الصباح.
وهو أمر يشير إلى أن العرب وإن درجوا على عادة اختيار الفتى لفتاته، فإن العكس كان حادثا، وتشير الأحداث إلى أن المرأة كانت حرة في اختيار زوجها، بخاصة إذا كانت من علية القوم، فهذه «هند بنت عتبة» تقول لأبيها: إني امرأة ملكت أمري، فلا تزوجني رجلا حتى تعرضه علي، فقال لها وذلك لك.
وتقول المصادر إن حق ابن العم في ابنة عمه كان عرفا مقدما ومسنونا، إلا أن العرب بعد ذلك صارت تدرج على التزاوج من خارج القبيلة، ويقول الباحثون إن كان ناتج ملاحظة أن زواج الأقارب يأتي بالضاوين (الضعفاء والمشوهين)، فصارت لهم في ذلك أمثال مضروبة، من قبيلها: لا تتزوجوا من القريبة فيأتي الولد ضاويا، والزواج من البعداء أنجب للولد وأبهى للخلقة وأحفظ لقوة النسل، ولا تتزوجوا في حيكم فإنه يؤدي إلى قبيح البغض، والنزائع لا القرائب.
زواج الغريب
ويبدو لنا أن الزواج من قبائل أخرى، كان مرحلة متطورة تساوقت مع التطور اللاحق، الذي دفع بأفراد القبائل للخروج عن الحالة القبلية الأولى، ونظام التحالفات الذي كان إرهاصا بالقومية والتوحد، سعيا وراء توفير ممكنات إقامة أحلاف قبلية كبرى قوية. وأبرز الأمثلة على ذلك عندما بلغ الصراع ذروته بين كتلتي هاشم وأمية في مكة، وبدأ كل من البطنين يعقد تحالفاته الكبرى ضد الآخر، وكيف وهي السياسة التي اختطها هاشم بنفسه، وتبعه فيها بنوه من بعده.
لكن ذلك لم يمنع استمرار الزواج من داخل القبيلة بالطبع، وكان للطبقة والفقر والغنى دوره في ذلك، فكانت الفتاة في الطبقات الأدنى تفضل زواج الأقارب؛ لأنهم أكثر معرفة بشئونها من الغرباء، وأحرص على ستر عيوبها وسلامتها. وفي حكاية «عشمة البجلية» ما يشير إلى هذا المعنى، فقد نصحت شقيقتها «خود» عندما جاءها خطاب أغراب حسان بقولها: تزوجي في قومك ولا تغرك الأجسام، فشر الغريبة يعلن، وخيرها يدفن، ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل؟!
الطلاق
صفحة غير معروفة