قوت القلوب
محقق
د. عاصم إبراهيم الكيالي
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت
رقم الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤٢٦ هـ -٢٠٠٥ م
مكان النشر
لبنان
بوجود رأيه ممّا رآه من الأمر لأنه نتيجة عقله وثمرة فهمه وإنما نقصه بنظره إليه وإدلاله به دون سبق نظره إلى من أراه وبنور هداه وبإيثار رأيه على رأي من هو أعلم منه أو بأن يزري على رأي غيره افتخارًا برأيه، وقد قال الله ﷿: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) النجم٣٢: وقد وصف أهل الرأي من أوليائه في قوله ﷿: (إنّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمينَ) الحجر٧٥:، وقال تعالى: (عَلَى بَصِيرةٍ أنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) يوسف: ١٠٨، وجاء في الأثر: ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح، وجاء: أنتم شهداء الله في أرضه، وعن بعض السلف: أفضل العبادة الرأي الحسن؛ فأما ما أشكل لتجاذب الأمثال ولم يتبين لك إلى أي مثل ترده فالورع أن تقف ولا تمضي حتى ينكشف، وأما ما اشتبه لقصور العلم بالاستدلال فالعلم فيه أن تعرف الأصلين من الحرام والحلال ثم ترده إلى أشبههما به وهذا ظاهر مثل ماأحلت طائفة النظر إلى الغلام الجميل لأنه ذكر فتحتاج إلى أن ترده إلى أحد الأصلين لأنه مشتبه قال الله ﷿: (انْظُرُوا إلى ثَمَرهِ إذا أثْمَرَ) الأنعام: ٩٩، وقال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارهِمْ) النور: ٣٠ فكان هذا الأصل أشبه لوجود الجنس ومثله الاستماع إلى القصائد أي إنشاد الشعر المباح فكان الاستماع إلى القرآن حلالًا والاستماع إلى الغناء حرامًا وكانت القصائد بالغناء أشبه فكرهناه لغير أهله، وكذلك القول في تلحين القرآن: إذا جاوز الحد في مد المقصور وقصر الممدود مكروه لشبهه بالأغاني ومثل لبس القطن ولبس الحرير فكرهنا لبس الملحم والعمل به لأنه بالحرير أشبه لما فيه منه فأما الإقدام على الأمور الغامضة مما لم ينكشف للأسماع فلم يظهر للأبصار فإن القلوب تسأل عن عقود سوء الظن بها والقطع بظاهر الأمر عليها وهو معنى قول الله ﷿ عن قفو ما لم يبين علمه إذا لم يجعل من علم العبد وتهدده عليه بمساءلة الجوارح عنه في قوله تعالى: (وَلاتَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الإسراء: ٣٦، أي لا تتبع ولا تجسس أثر ما لم تعلم فتشهد عليه بسمع أو رؤية أو عقد قلب إذ حقيقة العلم السمع والمشاهدة فلذلك قال: (إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِك كَانَ عَنْهُ مَسْؤوُلًا) الإسراء: ٣٦ وكذلك قال رسول الله ﷺ: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث فمن اشتبه عليه الأمر فقطع به فهو متبع للهوى ومن تفرس في فعل أوامر غاب عنه حقيقة فأخبر به وأظهره على صاحبه فقد أساء كيف
وقد جاء في الخبر: من حدّث بما رأته عيناه أو سمعت أذناه كتبه الله ﷿ من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، هذا لكشف ستر الله على عباده ومحبته للساترين منهم، ولذلك كان من دعاء أبي بكر الصديق ﵁: اللهم أرنا الحق حقًا فنتبعه والباطل باطلًا فنجتنبه ولا تجعل ذلك علينا متشابهًا فنتبع الهوى، وكذلك روينا عن عيسى ﵇: إنما الأمور ثلاثة: أمر استبان لك رشده
1 / 142