وفي أثناء هذا الكلام وصل الشابان إلى القرية ولم ينته بعد حديث الدكاني، غير أنهما شغلا عن سماع الختام بما وقعت عليه أعينهما.
فكانت القرية قد برزت بأجلى مظاهر الزينة، وكانت أبواب المنازل والنوافذ كلها مزدانة بالزهور وبالخضرة، وعلى البعض منها أشعار رقيقة تتضمن ألطف التواريخ، وكانت تخفق في كل جهة الأعلام المختلفة الألوان.
وعلى باب حنا الطويل قد كتب بالزهور اسم العروسين على أجمل منوال.
أما عن ازدحام الناس فحدث ولا حرج، فكانت جماهير القرويين قد بادرت من جميع الضياع والمزارع المجاورة؛ ليحضروا مثل هذا العيد النادر المثيل بينهم.
13
وكان الشابان يتنقلان بين الجموع فيراقبان حركات الأفراح، ويسمعان الأغاني المطربة، ولما دنا المركب القادم من بيت حنا الطويل بادرا إلى أكمة هناك يشرفان منها على الصفوف؛ لئلا يفوتهما من المشهد شيء.
وأول ما لاح لأعينهما عشرون ابنة بين السادسة والعاشرة من العمر متشحات بالحلل البيضاء، وعلى رءوسهن أكاليل الورد، وفي أيديهن طاقات الزهور، وعلى ثغورهن ابتسامات الصبا.
فأخذ المشهد من أصغر الشابين كل مأخذ وهاج خاطره فهتف قائلا: لله ما أبدع ما نراه، فإن عيني لم تقع على مثل هذا في المدن العظيمة، سقى الله جبال لبنان فكأنما هي مأوى الجمال والصفا، ورونق الحياة، ونضارة الشباب والأفراح، لعمري! إن هذا المنظر أخذ بمجامع لبي فيا ليتني استصحبت آلة التصوير الشمسي، لكنت أخذت عن هذا الموكب رسما تقر به العيون، على أنه لا يفوتني ولا بد أن أنظم فيه شعرا يبهج القلوب.
ثم ظهرت صفوف صبايا في مقتبل الشباب يرفلن في الحلل الملونة، وتتدفق الحياة من وجوههن النضيرة ماء ونورا، ويعلو جبينهن الوضاح من الحياء إكليل زاهر، وبعدهن طلعت نساء الضيعة في ثياب تليق بمقامهن، وفي مقدمتهن امرأة الدكاني تختال زهوا وفي أيديهن المزاهر ينثرن منها الروائح الذكية.
ووراء الصفوف حنا الطويل وأنيسة الضريرة تستند إلى ذراع خطيبها، كأنها ناءت بها الأفراح بعدما قاست من أشكال الهوان وأنواع الشقاء مدة خمسة وعشرين عاما، وكانت تفوح من ملابسها وهيأتها أرواح الحشمة، وعلى صدرها الصليب الفضي يلمع دليلا للأفراح كما كان في الضراء عربون الرجاء.
صفحة غير معروفة