لنفرض وجهة التاريخ التي نعقلها والتي نتمناها للنوع الإنساني، كما نتمناها للإنسان الفرد والجماعة من الناس.
لا نستطيع بعقولنا وعواطفنا أن نتمنى للنوع الإنساني غاية أفضل وأطيب من الوحدة العالمية التي يتحقق بها وصف النوع وتمامه.
ولا تستطيع عقولنا وعواطفنا أن تتمنى للإنسان الفرد غاية أفضل وأطيب من زيادة الكفاية والمعرفة.
وليست للجماعات المتفرقة غاية أفضل لها وأطيب من أن تتقارب على سنة الإنصاف، وأن تزول بينها فوارق الظلم والخضوع. •••
فإذا كنا قد أحسنا التقدير على هذا الفرض الذي نتمناه ونعقله، فلعلنا نحسن الملاحظة إذا رجعنا إلى حوادث التاريخ من مطلعه، ففهمنا أن هذه الوجهة قائمة، وأن النوع الإنساني يتجه فعلا من التفرق إلى التضامن، كما يتجه الفرد من الهوان والضياع إلى الكرامة والكفاية، وتتجه الجماعات من التفاوت والتغابن إلى التقارب والإنصاف، وقد تتردد في الاختيار بين هذه الوجهة وبين وجهة أخرى تماثلها، ولكننا لا نتردد طويلا في ترجيح هذه الوجهة وأمثالها على القول بالعبث والفوضى في تاريخ الإنسان كله أو القول بنقيض تلك الوجهة في جميع تلك الأحوال. (أ) وجهة النوع الإنساني
فالنوع الإنساني ينتقل في تاريخه المعروف من التفرق في الموقع والمصلحة إلى التضامن في جوانب الأرض، وفي مرافق المصلحة العالمية.
ينتقل من القبيلة، إلى الشعب، إلى الدولة، إلى الجامعة الدينية أو العنصرية، إلى التوازن بين مجموعة ومجموعة من الفئات الدولية، إلى هذا الاشتباك المتلاحم في سياسة العالم ومواصلاته، وعلاقته إلى الوحدة التي أوشكت أن تكون وحدة للكرة الأرضية أمام غيرها من العوالم والأفلاك.
وقد أصبح التضامن العالمي تيارا يطوف بكل جانب من جوانب الكرة الأرضية، ولا يقوى على الخروج من نطاقه أقوى من الدول والشعوب، بل إن أقوى الأقوياء مضطر أن يحمل من أعباء هذا التضامن وجرائره ما ليس يضطر إلى حمله من هم أقل منه قوة وأضعف منه علاقة بمسائله ومراميه.
وقد مضى على الكرة الأرضية من مستهل التاريخ ألوف السنين وهي منقسمة إلى عالمين منعزلين، يجهل أحدهما الآخر، ويجهل أنه موجود معه على ظهر الكرة الأرضية، ثم مضت عوامل الوحدة العالمية في طريقها فانكشف كل من العالمين لصاحبه، وقبل عنهما منذ ذلك الحين: أنهما عالم جديد، وعالم قديم.
ثم مضى ردح من الزمن خيل فيه إلى أحد العالمين أنه قادر على الاعتزال بأهله وبلاده عن الشطر الآخر من الكرة الأرضية؛ إيثارا للسلامة واجتنابا للمآزق، واكتفاء بما عنده من مسائله وشواغله، وهي غير قليل، وافترق ساسة هذا العالم - وهو العالم الجديد - فكان أعلاهم صوتا وأكثرهم أتباعا من ينادي بالعزلة، ويوصى بالابتعاد غاية الابتعاد من مشاكل القارة الأوروبية، وغيرها من القارات في العالم القديم، وكانت الحرب العالمية الأولى حجة لأنصار العزلة يذعن لها معارضوهم أو يكادون يذعنون مترددين متحيرين، فإذا بالحرب العالمية الثانية تنقل المسألة من مجال الرأي، والبحث إلى مجال لا محل فيه لحكم غير حكم الضرورة، ولا متسع فيه لتعدد البحوث والآراء، وإذا بالعالم الجديد يشترك في كل مشكلة من مشاكل القارات التي كان يحسبها من قبل فضولا لا يعنيه، فلو أراد أن يتنحى عنها لما استطاع ولو أراد كلا العالمين أن يعتزل صاحبه لأعياه سبيل الاعتزال.
صفحة غير معروفة