وقفات مع أحاديث تربية النبي ﷺ لصحابته
الناشر
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
رقم الإصدار
السنة السادسة والثلاثون العدد (١١٢) ١٤٢٤هـ
تصانيف
كل شَيْء حَقه بِلَا غلو وَلَا تَغْلِيب جَانب على آخر فَأَبُو الدَّرْدَاء ﵁ لما أقبل على الْآخِرَة وآثر الْعِبَادَة والزهد وَغلب ذَلِك على حق أَهله وَجَسَده أنكر عَلَيْهِ أَخُوهُ سلمَان ﵁ فالأخوة بَينهمَا تَقْتَضِي التناصح والتواصي بِالْحَقِّ. وَلما أخبر النَّبِي ﷺ صَدَّق سلمَان فِي قَوْله لِأَن هَذَا هُوَ الْحق والمنهج الَّذِي يجب أَن يتبع. ونرى فِي قصَّة أُخْرَى لما علم ﷺ أَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل. دَعَاهُ وَقَالَ: "ياعبد الله ألم أُخبر أَنَّك تَصُوم النَّهَار وَتقوم اللَّيْل؟ " فَقلت: بلَى يارسول الله قَالَ: "فَلَا تفعل، صُم وَأفْطر وقم ونم، فَإِن لجسدك عَلَيْك حَقًا، وَإِن لعينك عَلَيْك حَقًا، وَإِن لزوجك عَلَيْك حَقًا، وَإِن لزورك - أَي ضيفك - عَلَيْك حَقًا وَإِن بحسبك أَن تَصُوم كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن لَك بِكُل حَسَنَة عشر أَمْثَالهَا، فَإِن ذَلِك صِيَام الدَّهْر كُله، فشددت فَشدد عَليّ". قلت يارسول الله إِنِّي أجد قُوَّة قَالَ "فَصم صِيَام نَبِي الله دَاوُد ﵇ وَلَا تزد عَلَيْهِ" قلت: وَمَا كَانَ صِيَام دَاوُد ﵇؟ قَالَ: "نصف الدَّهْر" - فَكَانَ عبد الله يَقُول بعد ماكبر: ياليتني قبلت رخصَة رَسُول الله ﷺ. (١)
فَهَذَا مَنْهَج النَّبِي ﷺ مَنْهَج اعْتِدَال وتوسط، وعَلى هَذَا ربَّى أَصْحَابه ﵃ فَنعم المربي وَنعم المربين وَنعم الْأُسْتَاذ وَنعم التلاميذ جعلنَا الله مِمَّن يقتفي أَثَرهم ويسير على نهجهم ويهتدي بِهَدي الْمُصْطَفى ﵊.
_________
(١) أخرجه البُخَارِيّ ك: الصَّوْم بَاب حق الْجِسْم فِي الصَّوْم (٤/٢١٧، ٢١٨) ح: ١٩٧٥.
1 / 154